ليلة الجحيم في فرنسا.. حرائق تلتهم المباني التاريخية والنهب يجتاح المدن

تعيش فرنسا حالة من الصدمة عقب موجة من أعمال الشغب العنيفة التي اجتاحت عددًا من المدن، وأسفرت عن نهب مئات المتاجر وإضرام النيران في مبانٍ حكومية ومرافق عامة، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الاضطرابات على الأمن والاستقرار الداخلي.

وبحسب التقارير، شهدت العاصمة باريس ومدن فرنسية أخرى مواجهات عنيفة بين مجموعات من الملثمين وقوات الشرطة، إلى جانب عمليات تخريب واسعة استهدفت المحال التجارية والمنشآت العامة، فيما لا تزال السلطات تقيّم حجم الخسائر الناجمة عن الأحداث.

وفي العاصمة باريس، أفادت تقارير بتعرض مئات المتاجر للنهب والتخريب، بينما وصف رئيس البلدية إيمانويل غريغوار ما جرى بأنه تدمير ممنهج لشوارع بأكملها.

وأشارت تقارير صحفية إلى استهداف متاجر الملابس والصيدليات ومحال النظارات ومستحضرات التجميل والإلكترونيات، فضلًا عن إضرام النيران في سيارات وممتلكات عامة.

ووفقًا لوكالة الأنباء الفرنسية، اتسمت بعض عمليات النهب بالتنظيم، إذ تحركت مجموعات من الشباب الملثمين نحو المتاجر، وعملت على تعطيل كاميرات المراقبة قبل تحطيم الواجهات والاستيلاء على البضائع.

ومن أبرز المشاهد التي أثارت صدمة واسعة، اندلاع حريق في مبنى بلدية مدينة ليموج، ما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة منه، وفقًا لما أورده التقرير، ويعود تاريخ المبنى إلى عام 1883، وكان من المعالم التاريخية البارزة في المدينة.

ووصف مسؤولون محليون الحادث بأنه لحظة فارقة، معربين عن صدمتهم إزاء حجم الدمار الذي طال أحد رموز المدينة، كما شهدت مدن أخرى، بينها مرسيليا وليون وليل وأنجيه وبوردو، أعمال تخريب واعتداءات طالت منشآت عامة ومبانٍ إدارية.

وفي مدينة ليون، أُضرمت النيران في مكتب السياحة المحلي، فيما أظهرت مقاطع متداولة أحد المشاركين في أعمال الشغب وهو يرفع العلم الفلسطيني، بالتزامن مع تداول مشاهد أخرى توثق عمليات تخريب ونهب في عدد من المدن.

وذكر التقرير أن السلطات الفرنسية أعلنت توقيف ما لا يقل عن 1200 شخص خلال الاضطرابات، إلى جانب إصابة نحو 150 من أفراد الشرطة والدرك. كما تحدثت التقارير عن اندلاع أكثر من 1500 حريق استهدف مركبات وممتلكات عامة، فضلًا عن تضرر نحو 60 مبنى، بينها مقار بلديات ومكتبات ومتاجر ومطاعم.

وأعرب رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عن صدمته إزاء حجم الدمار، مشيرًا إلى أن الحصيلة النهائية للخسائر لا تزال غير واضحة.

كما حذرت جهات اقتصادية من تداعيات مالية خطيرة قد تطال قطاع التجارة، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطًا للحد من الإنفاق العام ومعالجة عجز الموازنة.

وتأتي الاضطرابات في أعقاب احتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة وزيادة أسعار الوقود، بمشاركة طلاب ونقابات عمالية وأنصار حركة «السترات الصفراء».

وتبادلت الحكومة الفرنسية وقوى اليمين الاتهامات مع اليسار المتطرف بشأن المسؤولية عن تصاعد العنف. واتهم مسؤولون حكوميون حزب «فرنسا الأبية»، بقيادة جان لوك ميلانشون، باستغلال الاحتجاجات لتحقيق مكاسب سياسية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

في المقابل، انتقد ميلانشون تعامل الحكومة مع الاحتجاجات، متهمًا إياها بتأجيج الأزمة من خلال سياساتها الأمنية، لكنه أكد أن أعمال النهب والسرقة لا مكان لها في الاحتجاجات التي يخوضها أنصاره.

كما اتهمت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان اليسار المتطرف باستغلال المطالب الاجتماعية المشروعة لتبرير العنف، محذرة من تداعيات استمرار الفوضى على مستقبل البلاد.

وامتدت تداعيات الأحداث إلى الساحة السياسية الأمريكية، حيث انتقد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس السياسات التي تتبناها حكومات غربية بشأن الهجرة والتنوع، معتبرًا أن تجاهل تحديات الاندماج أسهم في تفاقم الأزمات الداخلية.

وفي منشور عبر منصة «إكس»، قال فانس إن الدول الغربية استقبلت أعدادًا من المهاجرين دون معالجة كافية لقضايا الاندماج والتكيف، داعيًا فرنسا إلى احتواء الاضطرابات وحماية معالمها التاريخية من مزيد من الدمار.

وأضاف أن ما تشهده فرنسا ينبغي أن يشكل رسالة للأمريكيين بشأن تداعيات السياسات التي يتبناها الديمقراطيون، في تصريحات تعكس توظيف الأزمة الفرنسية في سياق التجاذبات السياسية داخل الولايات المتحدة.

وتكشف هذه التطورات عن تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية في فرنسا، في ظل تداخل الأزمات المعيشية مع الانقسامات الحزبية والجدل حول الهجرة والأمن، وسط تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على احتواء الاضطرابات ومنع تجدد أعمال العنف.