في مساء يوم عادي، جلس رجل إلى مائدة العشاء، وأمامه هاتفه الذي لم يهدأ طوال اليوم، رنّ هاتفه مرة أخرى، فأجاب عن رسالة سريعة، ثم فتح تطبيقًا ليرى إشعارًا، وانتقل إلى خبر، ثم إلى مقطع قصير، وحين رفع رأسه وجد أن الطعام أمامه قد برد. سأله ابنه:
«هل لديك وقت أن تجلس معنا قليلًا؟» فأجاب، دون أن يفكر كثيرًا: «ليس لدي وقت اليوم».
قالها وهو يواصل النظر إلى الشاشة. بعد دقائق، انتهى العشاء، وبقي الهاتف معه.
«ليس لدي وقت»... ربما تكون أكثر الجمل التي نكررها في أيامنا دون أن نتوقف كثيرًا عند معناها. نقولها حين نعتذر عن لقاء، أو نؤجل كتابًا، أو نترك مكالمة بلا إجابة، أو نؤجل شيئًا نعرف في داخلنا أنه مهم. نقولها وكأن الوقت شيء نملكه ثم نفقده، أو كأنه يمر بنا دون أن يكون لنا فيه اختيار. لكن، هل المشكلة فعلًا أننا لا نملك الوقت، أم أننا لا نملك قرارنا بشأنه؟ الغريب أننا نجد وقتًا لأشياء لم نخطط لها، ونبقى أمام الهاتف ساعات دون أن نشعر، ونتابع أخبارًا لا تعنينا، وندخل في نقاشات لا نحتاجها، ثم نصل إلى نهاية اليوم ونحن نشعر أن شيئًا مهمًا لم يجد مكانًا في ساعاتنا. ربما لا يكون الوقت هو الذي ينقصنا دائمًا، بل الانتباه إلى أين نضعه.
فالوقت لا يخبرنا بما يستحق أن نفعله. نحن الذين نفعل ذلك. وكل ساعة نمنحها لشيء ما تعني، بصورة غير مباشرة، أننا حجبناها عن شيء آخر. ولهذا فإن إدارة الوقت ليست في جوهرها مسألة جداول ومواعيد، بقدر ما هي مسألة اختيار: ماذا يستحق من عمري؟ وقد نكتشف، إذا تأملنا أيامنا، أن بعض ما نسميه «ضيق الوقت» ليس إلا ازدحامًا صنعناه بأنفسنا. نملأ اليوم بالمواعيد والرسائل والمهمات، ثم نتساءل لماذا لم نجد وقتًا لأنفسنا، أو لأهلنا، أو لكتاب نريد قراءته، أو لفكرة نريد أن نفكر فيها بهدوء.
والأصعب من ذلك أن نستخدم عبارة «ليس لدي وقت» لتأجيل ما لا نريد مواجهته. نؤجل قرارًا لأن اتخاذه يحتاج إلى شجاعة، ونؤجل اعتذارًا لأن الاعتراف بالخطأ ثقيل، ونؤجل مشروعًا لأن بدايته تخيفنا، ثم نضع كل ذلك تحت عنوان يبدو منطقيًا: «ليس لدي وقت».
وربما لهذا لا يكون السؤال دائمًا: كم ساعة نملك؟ فالناس جميعًا يستيقظون على يوم جديد بالقدر نفسه من الساعات، لكنهم لا يعيشونها بالطريقة نفسها. هناك من يجد ساعة للحديث مع شخص يحبه، وآخر يجد ساعات لمتابعة ما لا يعنيه، وهناك من يؤجل شيئًا مهمًا لسنوات لأنه ينتظر «الوقت المناسب».
ربما يكون بعض التأجيل ضروريًا، وبعض الانشغال لا مفر منه، لكن هناك فرقًا بين أن يكون الإنسان مشغولًا بما اختاره، وأن يكون مشغولًا بكل شيء إلا بما يعنيه فعلًا.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا ليس: «كم بقي لي من الوقت؟»، بل: «في ماذا يذهب الوقت الذي لدي؟».
فالعمر لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي نعيشها، وإنما بالأشياء التي منحناها من تلك السنوات. وقد نكتشف في النهاية أن المشكلة لم تكن أننا لم نملك الوقت، بل أننا امتلكناه طويلًا... ولم ننتبه إلى أين ذهب. «ليس لدي وقت» قد تكون أحيانًا جملة عن الوقت، لكنها في أحيان أخرى جملة عن الأولويات.
في مساء يوم عادي، جلس رجل إلى مائدة العشاء، وأمامه هاتفه الذي لم يهدأ طوال اليوم، رنّ هاتفه مرة أخرى، فأجاب عن رسالة سريعة، ثم فتح تطبيقًا ليرى إشعارًا، وانتقل إلى خبر، ثم إلى مقطع قصير، وحين رفع رأسه وجد أن الطعام أمامه قد برد. سأله ابنه:
«هل لديك وقت أن تجلس معنا قليلًا؟» فأجاب، دون أن يفكر كثيرًا: «ليس لدي وقت اليوم».
قالها وهو يواصل النظر إلى الشاشة. بعد دقائق، انتهى العشاء، وبقي الهاتف معه.
«ليس لدي وقت»... ربما تكون أكثر الجمل التي نكررها في أيامنا دون أن نتوقف كثيرًا عند معناها. نقولها حين نعتذر عن لقاء، أو نؤجل كتابًا، أو نترك مكالمة بلا إجابة، أو نؤجل شيئًا نعرف في داخلنا أنه مهم. نقولها وكأن الوقت شيء نملكه ثم نفقده، أو كأنه يمر بنا دون أن يكون لنا فيه اختيار. لكن، هل المشكلة فعلًا أننا لا نملك الوقت، أم أننا لا نملك قرارنا بشأنه؟ الغريب أننا نجد وقتًا لأشياء لم نخطط لها، ونبقى أمام الهاتف ساعات دون أن نشعر، ونتابع أخبارًا لا تعنينا، وندخل في نقاشات لا نحتاجها، ثم نصل إلى نهاية اليوم ونحن نشعر أن شيئًا مهمًا لم يجد مكانًا في ساعاتنا. ربما لا يكون الوقت هو الذي ينقصنا دائمًا، بل الانتباه إلى أين نضعه.
فالوقت لا يخبرنا بما يستحق أن نفعله. نحن الذين نفعل ذلك. وكل ساعة نمنحها لشيء ما تعني، بصورة غير مباشرة، أننا حجبناها عن شيء آخر. ولهذا فإن إدارة الوقت ليست في جوهرها مسألة جداول ومواعيد، بقدر ما هي مسألة اختيار: ماذا يستحق من عمري؟ وقد نكتشف، إذا تأملنا أيامنا، أن بعض ما نسميه «ضيق الوقت» ليس إلا ازدحامًا صنعناه بأنفسنا. نملأ اليوم بالمواعيد والرسائل والمهمات، ثم نتساءل لماذا لم نجد وقتًا لأنفسنا، أو لأهلنا، أو لكتاب نريد قراءته، أو لفكرة نريد أن نفكر فيها بهدوء.
والأصعب من ذلك أن نستخدم عبارة «ليس لدي وقت» لتأجيل ما لا نريد مواجهته. نؤجل قرارًا لأن اتخاذه يحتاج إلى شجاعة، ونؤجل اعتذارًا لأن الاعتراف بالخطأ ثقيل، ونؤجل مشروعًا لأن بدايته تخيفنا، ثم نضع كل ذلك تحت عنوان يبدو منطقيًا: «ليس لدي وقت».
وربما لهذا لا يكون السؤال دائمًا: كم ساعة نملك؟ فالناس جميعًا يستيقظون على يوم جديد بالقدر نفسه من الساعات، لكنهم لا يعيشونها بالطريقة نفسها. هناك من يجد ساعة للحديث مع شخص يحبه، وآخر يجد ساعات لمتابعة ما لا يعنيه، وهناك من يؤجل شيئًا مهمًا لسنوات لأنه ينتظر «الوقت المناسب».
ربما يكون بعض التأجيل ضروريًا، وبعض الانشغال لا مفر منه، لكن هناك فرقًا بين أن يكون الإنسان مشغولًا بما اختاره، وأن يكون مشغولًا بكل شيء إلا بما يعنيه فعلًا.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا ليس: «كم بقي لي من الوقت؟»، بل: «في ماذا يذهب الوقت الذي لدي؟».
فالعمر لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي نعيشها، وإنما بالأشياء التي منحناها من تلك السنوات. وقد نكتشف في النهاية أن المشكلة لم تكن أننا لم نملك الوقت، بل أننا امتلكناه طويلًا... ولم ننتبه إلى أين ذهب. «ليس لدي وقت» قد تكون أحيانًا جملة عن الوقت، لكنها في أحيان أخرى جملة عن الأولويات.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.