ليس رقمًا في قائمة – سعدون مطلق  السوارج

فبعض الأرقام لا يتجاوز حدود الإحصاء، وبعضها يختصر وراءه تحولًا كاملًا في طريقة تفكير الدول، وفي ترتيب اقتصاداتها، وفي قدرتها على صناعة موقعها في المستقبل. وحين يضع البنك الدولي المملكة العربية السعودية ضمن أكبر عشر دول عالميًا في الاستثمار الخاص بالذكاء الاصطناعي، فإنه لا يضيف رقمًا جديدًا إلى جداول التصنيف فحسب؛ بل يلفت النظر إلى مسار سعودي أخذ يتشكل منذ سنوات، حتى بدأ العالم يراه اليوم في صورة مؤشرات وشهادات دولية.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الخبر. فالقصة ليست أن السعودية دخلت قائمة العشر الكبار، وإنما كيف وصلت إليها، وماذا بنت قبل أن تصل، وإلى أين يمكن أن يقودها هذا المسار؟

تقرير التنمية في العالم 2026 الصادر عن مجموعة البنك الدولي بعنوان «وعد الذكاء الاصطناعي»، قدم قراءة واسعة لتأثير الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات النامية، وطرح إطارًا يقوم على التبني والتكييف والتقدم، محذرًا من أن الدول التي لا تبني قدراتها قد تجد نفسها في فجوة جديدة مع الاقتصادات الأكثر تقدمًا. وفي هذا السياق استشهد التقرير بالتجربة السعودية في بناء منظومة متكاملة للبيانات والذكاء الاصطناعي، وأبرز دور الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» في دعم تكامل البيانات بين أكثر من 60 جهة حكومية، مع إبقاء البيانات داخل أنظمتها.

وهذه الإشارة، في تقديري، أهم من مجرد التصنيف. لأن الاستثمار لا يصنع منظومة بمفرده، والمال وحده لا يجعل الدولة لاعبًا في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. هناك بنية تحتية، وبيانات، وحوسبة، ومواهب، ومؤسسات، وتشريعات، وسوق قادرة على استيعاب التقنية وتحويلها إلى قيمة.

وهذه هي الحكاية الأعمق التي تكشفها التجربة السعودية. من إدارة البيانات إلى صناعة المستقبل قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي حديث العالم اليومي، كان هناك سؤال أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا: ماذا تفعل الدول ببياناتها؟

فالدولة الحديثة تنتج كميات هائلة من البيانات في التعليم والصحة والاقتصاد والنقل والطاقة والخدمات والقطاع المالي وغيرها. لكن وجود البيانات في حد ذاته لا يصنع قوة؛ القوة تبدأ عندما تصبح هذه البيانات منظمة، وآمنة، وقابلة للتكامل والتحليل، وقادرة على خدمة القرار.

ومن هنا تأتي أهمية تجربة «سدايا». فالبنك الدولي لم يستشهد بالتجربة السعودية بسبب حجم البيانات فقط، وإنما بسبب طريقة تنظيمها وتكاملها؛ إذ أشار إلى نموذج يتيح تبادل البيانات بصورة منظمة بين الجهات الحكومية مع بقائها داخل أنظمتها.

وهذا تفصيل تقني في ظاهره، لكنه في ميزان التحول الوطني يحمل معنى أكبر بكثير.

إنه يعني أن البيانات لم تعد تُعامل باعتبارها ملفات موزعة بين مؤسسات منفصلة، وإنما باعتبارها أصلًا يمكن أن تتكامل حوله مؤسسات الدولة.

وهنا يتحول الأمر من «رقمنة الإدارة» إلى إعادة تعريف الإدارة نفسها.

فحين تتكامل البيانات، يصبح القرار أكثر قدرة على قراءة الواقع، واستشراف الاتجاهات، وقياس المخاطر، وتحسين الخدمات.

وحين تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي على هذه المنظومة، تتحول البيانات من سجل للماضي إلى أداة لاستشراف المستقبل.

ولهذا فإن العبارة الأهم في القصة السعودية ليست أن المملكة تمتلك بيانات كثيرة، وإنما أنها تعمل على تحويل البيانات إلى قدرة وطنية. وهذه نقلة في فلسفة الإدارة قبل أن تكون نقلة في التكنولوجيا.

من السهل أن نقرأ تصنيف البنك الدولي باعتباره خبرًا عن حجم الأموال التي دخلت قطاع الذكاء الاصطناعي، لكن القراءة الأعمق تبدأ من سؤال آخر: لماذا يذهب رأس المال الخاص إلى السعودية؟

فرأس المال لا يبحث عن المال وحده؛ إنه يبحث عن البيئة التي تمنح الاستثمار قابلية للنمو: بنية تحتية، وسوق، ومواهب، واستقرار مؤسسي، وقدرة على تحويل الأفكار إلى أعمال ومنتجات وقيمة.

ولهذا فإن دخول المملكة ضمن أكبر عشر دول عالميًا في الاستثمار الخاص بالذكاء الاصطناعي لا ينبغي قراءته كرقم منفصل عن بقية الصورة.

فمؤشر الذكاء الاصطناعي 2026 الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان يرصد تسارعًا استثنائيًا في الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي، ويكشف أن رأس المال أصبح أحد ميادين المنافسة الكبرى على صناعة التقنية والقدرات المرتبطة بها.

وفي هذا المشهد العالمي، تصبح دلالة الوجود السعودي أعمق من حجم الاستثمار نفسه؛ فالمملكة تظهر في خريطة تعيد تشكيل مراكز القوة التقنية والاقتصادية.

وهنا يظهر أحد التحولات الكبرى التي صنعتها رؤية السعودية 2030: لم تعد المسألة تنويع مصادر الدخل فحسب، بل تنويع مصادر المعرفة والقيمة أيضًا.

فالذكاء الاصطناعي لا يلغي أهمية الموارد التي امتلكتها المملكة تاريخيًا، بل يضيف إليها طبقة جديدة من القوة: قوة البيانات، وقوة الحوسبة، وقوة المعرفة.

الإنسان.. الثروة التي لا تعمل الآلة من دونها

لكن أي منظومة تقنية يمكن أن تفقد أثرها إذا غاب عنها العنصر الذي لا يمكن اختزاله في خادم أو شريحة أو خوارزمية: الإنسان.

ولهذا جاءت الإشارة الدولية إلى قدرة المملكة على جذب الكفاءات المتخصصة ذات أهمية استثنائية.

فبحسب ما أورده البنك الدولي، سجلت المملكة في عام 2025 حضورًا متقدمًا في صافي تدفق العاملين في الذكاء الاصطناعي لكل عشرة آلاف عضو على منصة «لينكدإن»، كما سجلت صافي تدفق بلغ 3.08 ضمن فئة نخبة مواهب الذكاء الاصطناعي.

الدول التي تستورد التقنية تشتري أدواتها؛ أما الدول التي تستقطب العقول القادرة على تطويرها فتبدأ في امتلاك جزء من مستقبلها.

فالمنافسة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون بين الدول التي تمتلك أكبر عدد من الأجهزة، وإنما بين الدول التي تستطيع أن تجذب أفضل العقول، وتمنحها البيئة التي تجعلها تنتج.

وهذا ما يجعل بناء القدرات الوطنية واستقطاب الخبرات مسارين متكاملين، لا مسارين متنافسين.

إن استقطاب المعرفة من الخارج وبناء المعرفة في الداخل يصنعان معًا ما يمكن تسميته رأس المال المعرفي للدولة؛ وهو رأس مال لا يظهر كاملًا في الحسابات التقليدية، لكنه قد يكون من أكثر الأصول تأثيرًا في اقتصاد المستقبل.

عام الذكاء الاصطناعي.. حين يتحول المسار إلى مشروع وطني

حين أعلنت المملكة 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، لم تكن تبدأ من الصفر. فالقرار جاء فوق بنية سبق أن تشكلت، ومؤسسات تأسست، واستثمارات تدفقت، ومواهب استقطبت، وبرامج أطلقت، ومنظومة بيانات توسعت.

وهذه النقطة مهمة؛ لأن العام لو جاء منفصلًا عن هذا التراكم لكان مجرد عنوان احتفالي، لكنه جاء في لحظة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا من مشروع التحول الوطني نفسه.

ومن هنا يمكن فهم «عام الذكاء الاصطناعي» باعتباره محطة لإظهار مسار طويل، لا بداية لمسار جديد.

إن الدولة التي تعلن عامًا لتقنية بعد أن تكون قد بنت مؤسساتها وبنيتها التحتية وقدراتها البشرية، لا تحتفل بالتقنية فقط؛ إنها تعلن أن هذه التقنية أصبحت جزءًا من رؤيتها للمستقبل.

ولعل ما يمنح هذا المسار وزنًا أكبر أن الإشادة بالتجربة السعودية لم تأتِ من جهة واحدة.

ففي يونيو 2026، فازت المملكة، ممثلة في «سدايا»، بجائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة لعام 2026 عن «بنك البيانات الوطني» ومنصة «استشراف»، في منافسة دولية شاركت فيها أكثر من 700 مبادرة من 62 دولة.