ليست كل ساحة جديرة بالمنافسة – مبارك بن عوض الدوسري

سألني أحد الأصدقاء المقرّبين سؤالاً ظل يتردد في ذهني طويلاً: لماذا لا أشارك في بعض المنافسات التي تُقام من وقت إلى آخر، رغم أن لدي من التجارب والمقتنيات والوثائق والذكريات ما يجعلني قادراً على الدخول فيها والمنافسة على المراكز الأولى؟

كان السؤال صريحاً، وكانت الإجابة أكثر صراحة: لأن الإنسان لا ينبغي أن يقيس قيمة ما يملك بعدد المسابقات التي يدخلها، ولا أن يجعل من كل ساحة متاحة أمامه ميداناً لإثبات ذاته.

في الحياة، هناك فرق كبير بين أن تكون قادراً على المنافسة، وأن تكون راغباً فيها، وبين أن تدخل منافسة لأنك تؤمن بقيمتها، وأن تدخلها لمجرد أن تثبت للآخرين أنك تستطيع الفوز؛ وقد يملك الإنسان من المعرفة والخبرة والتجربة ما يؤهله للتقدم في ميادين كثيرة، لكنه يختار في لحظة ما أن يقول: هذه ليست ساحتي، ولن أضع ما أملك في موضع لا أرى فيه المعنى الذي أبحث عنه؛ ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع مرور السنوات أن ليس كل فوز يستحق الاحتفال، وليس كل خسارة تستحق الحزن، وليست كل منافسة تستحق أن نخوضها أصلاً.

ثمة منافسات يكون الانتصار فيها مكسباً حقيقياً؛ لأنها تقوم على معايير واضحة، وتكافئ المعرفة والعمل والإبداع، وتدفع المشاركين إلى تطوير أنفسهم؛ وثمة منافسات أخرى قد يتحول فيها الهدف من تطوير الإنسان إلى مجرد الحصول على لقب أو مركز أو تصفيق عابر، وعندها يصبح السؤال الأهم: ماذا سيضيف هذا الفوز إلى الإنسان بعد أن ينتهي التصفيق؟

لقد اخترت لنفسي قاعدة بسيطة، مستوحاة من مثل شعبي صيني ساخر يقول: «لا تتسابق مع الحمير؛ فإن هزموك كنت حماراً خاسراً، وإن هزمتهم كنت أفضل الحمير»؛ والمعنى هنا ليس التقليل من أحد، وإنما إدراك أن اختيار المنافس أهم أحياناً من نتيجة المنافسة نفسها؛ فالعاقل لا يبحث عن كل معركة يستطيع خوضها، وإنما يبحث عن المعركة التي تستحق وقته وجهده وسمعته؛ ولا ينشغل بإثبات تفوقه في كل مجلس، لأن الثقة بالنفس لا تحتاج إلى شهادة من كل عابر، والتاريخ الحقيقي لا تصنعه المسابقات وحدها، وإنما تصنعه السنوات التي يترك فيها الإنسان أثراً نافعاً وراءه؛ ولذلك، قد يبدو للآخرين أحياناً أن شخصاً ما ابتعد عن المشهد، بينما هو في الحقيقة لم يبتعد عن الحياة، وإنما ابتعد عن الضجيج؛ وقد يفسر البعض عدم المشاركة بأنه عجز، بينما هو في أحيان كثيرة قرار واعٍ بأن يحفظ الإنسان وقته وطاقته لما يراه أكثر قيمة.

إن بلوغ هذه القناعة يحتاج إلى سنوات؛ ففي البدايات يكون الإنسان حريصاً على أن يراه الآخرون، ثم ينضج فيصبح أكثر حرصاً على أن يرى هو نفسه بوضوح؛ وفي مرحلة لاحقة يدرك أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يعلنها الناس، بل تلك التي يحققها الإنسان مع نفسه: أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى ينافس، ومتى يكتفي بابتسامة ويواصل طريقه؛ وليس في الانسحاب من بعض المنافسات ضعف، كما أن المشاركة فيها ليست بالضرورة قوة... القوة الحقيقية أن يمتلك الإنسان حرية الاختيار؛ فيشارك عندما يجد القيمة، ويعتذر عندما لا يجدها، من غير غضب ولا خصومة ولا حاجة إلى تبرير طويل؛ فالحياة أوسع من مسابقة، وأطول من مركز، وأبقى من لقب، والإنسان الذي أمضى سنواته في جمع المعرفة وحفظ التجارب وصناعة الذكريات لا يحتاج في كل مرة إلى أن يضع كل ما لديه على طاولة المنافسة كي يثبت أنه يملك شيئاً.

وفي نهاية المطاف، قد تكون الحكمة الأجمل التي يصل إليها الإنسان بعد عمر من التجارب: لا تدخل كل سباق لمجرد أن هناك من يناديك إلى خط البداية؛ اختر السباق الذي يشبه قيمتك، فإن لم تجد سباقاً يستحق، فواصل طريقك بهدوء... فبعض الانتصارات تبدأ من قرارك ألا تنافس.

سألني أحد الأصدقاء المقرّبين سؤالاً ظل يتردد في ذهني طويلاً: لماذا لا أشارك في بعض المنافسات التي تُقام من وقت إلى آخر، رغم أن لدي من التجارب والمقتنيات والوثائق والذكريات ما يجعلني قادراً على الدخول فيها والمنافسة على المراكز الأولى؟

كان السؤال صريحاً، وكانت الإجابة أكثر صراحة: لأن الإنسان لا ينبغي أن يقيس قيمة ما يملك بعدد المسابقات التي يدخلها، ولا أن يجعل من كل ساحة متاحة أمامه ميداناً لإثبات ذاته.

في الحياة، هناك فرق كبير بين أن تكون قادراً على المنافسة، وأن تكون راغباً فيها، وبين أن تدخل منافسة لأنك تؤمن بقيمتها، وأن تدخلها لمجرد أن تثبت للآخرين أنك تستطيع الفوز؛ وقد يملك الإنسان من المعرفة والخبرة والتجربة ما يؤهله للتقدم في ميادين كثيرة، لكنه يختار في لحظة ما أن يقول: هذه ليست ساحتي، ولن أضع ما أملك في موضع لا أرى فيه المعنى الذي أبحث عنه؛ ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع مرور السنوات أن ليس كل فوز يستحق الاحتفال، وليس كل خسارة تستحق الحزن، وليست كل منافسة تستحق أن نخوضها أصلاً.

ثمة منافسات يكون الانتصار فيها مكسباً حقيقياً؛ لأنها تقوم على معايير واضحة، وتكافئ المعرفة والعمل والإبداع، وتدفع المشاركين إلى تطوير أنفسهم؛ وثمة منافسات أخرى قد يتحول فيها الهدف من تطوير الإنسان إلى مجرد الحصول على لقب أو مركز أو تصفيق عابر، وعندها يصبح السؤال الأهم: ماذا سيضيف هذا الفوز إلى الإنسان بعد أن ينتهي التصفيق؟

لقد اخترت لنفسي قاعدة بسيطة، مستوحاة من مثل شعبي صيني ساخر يقول: «لا تتسابق مع الحمير؛ فإن هزموك كنت حماراً خاسراً، وإن هزمتهم كنت أفضل الحمير»؛ والمعنى هنا ليس التقليل من أحد، وإنما إدراك أن اختيار المنافس أهم أحياناً من نتيجة المنافسة نفسها؛ فالعاقل لا يبحث عن كل معركة يستطيع خوضها، وإنما يبحث عن المعركة التي تستحق وقته وجهده وسمعته؛ ولا ينشغل بإثبات تفوقه في كل مجلس، لأن الثقة بالنفس لا تحتاج إلى شهادة من كل عابر، والتاريخ الحقيقي لا تصنعه المسابقات وحدها، وإنما تصنعه السنوات التي يترك فيها الإنسان أثراً نافعاً وراءه؛ ولذلك، قد يبدو للآخرين أحياناً أن شخصاً ما ابتعد عن المشهد، بينما هو في الحقيقة لم يبتعد عن الحياة، وإنما ابتعد عن الضجيج؛ وقد يفسر البعض عدم المشاركة بأنه عجز، بينما هو في أحيان كثيرة قرار واعٍ بأن يحفظ الإنسان وقته وطاقته لما يراه أكثر قيمة.

إن بلوغ هذه القناعة يحتاج إلى سنوات؛ ففي البدايات يكون الإنسان حريصاً على أن يراه الآخرون، ثم ينضج فيصبح أكثر حرصاً على أن يرى هو نفسه بوضوح؛ وفي مرحلة لاحقة يدرك أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يعلنها الناس، بل تلك التي يحققها الإنسان مع نفسه: أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع، ومتى ينافس، ومتى يكتفي بابتسامة ويواصل طريقه؛ وليس في الانسحاب من بعض المنافسات ضعف، كما أن المشاركة فيها ليست بالضرورة قوة... القوة الحقيقية أن يمتلك الإنسان حرية الاختيار؛ فيشارك عندما يجد القيمة، ويعتذر عندما لا يجدها، من غير غضب ولا خصومة ولا حاجة إلى تبرير طويل؛ فالحياة أوسع من مسابقة، وأطول من مركز، وأبقى من لقب، والإنسان الذي أمضى سنواته في جمع المعرفة وحفظ التجارب وصناعة الذكريات لا يحتاج في كل مرة إلى أن يضع كل ما لديه على طاولة المنافسة كي يثبت أنه يملك شيئاً.