ليست الكلمات كما تبدو – أنس  تشكالا

نستخدم اللغة كل يوم بالسهولة التي نتنفس بها، ونسمع الكلمات منذ اللحظة التي نفتح فيها أعيننا على العالم، ثم نمضي في حياتنا وكأننا نعرفها معرفة كاملة. نتحدث، ونكتب، ونقرأ، ونختلف، ونحب، ونعتذر، ونصف الأشياء من حولنا، من غير أن نتوقف غالبًا لنسأل: ما هذه اللغة التي ترافقنا في كل شيء؟ وكيف تتحول مجموعة من الأصوات إلى معانٍ نفهمها، ومشاعر نشاركها، وأفكار نبني بها عالمًا كاملًا؟ لعل أكثر الأشياء غموضًا في حياتنا هي تلك التي اعتدناها حتى لم نعد نراها. واللغة واحدة من أكثر هذه الأشياء ألفةً وغموضًا في آن واحد.

قد يبدو السؤال عن طبيعة اللغة شبيهًا بالسؤال عن طبيعة الهواء: ما حاجتنا إلى معرفته ما دمنا نستعمله بصورة طبيعية؟ غير أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم نفسه تمامًا من دون أن يفهم اللغة التي يفكر بها ويتواصل من خلالها. فاللغة ليست مجرد وسيلة نضعها بيننا وبين الآخرين ثم ننزعها حين تنتهي الحاجة إليها؛ إنها حاضرة في المعرفة، والتعليم، والأدب، والفكر، والعلاقات الاجتماعية، وحتى في الطريقة التي نرى بها الأشياء ونسميها ونرتبها في أذهاننا. وربما لهذا السبب تبدو اللغة بسيطة لمن يستعملها، بينما تصبح شديدة التعقيد حين نحاول أن ننظر إليها من الخارج.

ومن المفارقات أننا كثيرًا ما نخطئ في فهم الشيء الذي نمارسه يوميًا. فالإنسان يتنفس منذ ولادته، لكنه لا يصبح طبيبًا بمجرد التنفس، كما أن استعمال اللغة لا يجعلنا بالضرورة عارفين بطبيعتها. إن الألفة قد تكون أحيانًا حجابًا يحول بيننا وبين المعرفة؛ لأن الأشياء التي نعيش معها طويلًا تبدو لنا بديهية، فنكف عن طرح الأسئلة حولها. ولهذا نشأت حول اللغة تصورات كثيرة تبدو صحيحة في ظاهرها، لكنها لا تصمد أمام التأمل اللغوي والعلمي.

من أكثر هذه التصورات شيوعًا الاعتقاد بأن الكتابة هي الأصل، وأن الكلام المنطوق ليس إلا صورة ناقصة لما نكتبه. ولعل هذا الاعتقاد مفهوم في عالم أصبحت فيه الكتابة مرتبطة بالتعليم والمعرفة والوثائق والكتب والشاشات. لكننا إذا عدنا إلى الإنسان الأول وجدنا أن الكلام أقدم بكثير من الكتابة، وأن المجتمعات الإنسانية عرفت اللغة المنطوقة قبل أن تعرف الأبجدية والكتب والأنظمة الكتابية بآلاف السنين. وما الكتابة في حقيقتها إلا نظام لتمثيل اللغة المنطوقة وتثبيتها وحفظها. ولهذا يمكن أن توجد لغة منطوقة من غير كتابة، بينما لا يمكن لنظام كتابي أن يكون لغة بالمعنى نفسه من دون أن تكون له صلة بنظام لغوي سابق.

وهنا يتغير شيء مهم في نظرتنا إلى اللغة. فاللغة ليست ما نراه على الورق فقط، ولا تبدأ حين نمسك قلمًا أو نفتح لوحة المفاتيح. قبل أن تصبح الكلمة سطرًا مكتوبًا، كانت صوتًا في الهواء، وحركة في جهاز النطق، وإشارة تصل إلى أذن إنسان آخر. وحتى حين نكتب، فإننا نستعين بنظام من الرموز يحاول أن يمثل شيئًا أسبق منه. ولعلنا لذلك لا ننتبه إلى أن الكتابة، على عظمتها في حفظ المعرفة، ليست اللغة نفسها، وإنما إحدى الطرق التي نمثل بها اللغة.

لكن المفاجأة الأكبر ربما تكمن في الكلمات ذاتها. لماذا نسمي الماء «ماءً»؟ ولماذا تسميه الإنجليزية water، والفرنسية eau، والألمانية Wasser، ولغات أخرى بأصوات مختلفة تمامًا؟ قد يبدو الأمر سؤالًا طفوليًا، لكنه يقودنا إلى إحدى أهم خصائص اللغة: لا توجد علاقة طبيعية ملزمة بين الشيء واسمه. الأشياء موجودة في العالم، أما الأسماء التي نطلقها عليها فهي نتاج اتفاق اجتماعي استقر بين الناطقين باللغة.

وهذا يعني أن الكلمة ليست الشيء نفسه. كلمة «بحر» ليست بحرًا، ولا تحمل في أصواتها ماء البحر وملوحته واتساعه وأمواجه؛ إنها رمز اتفقنا على أن يحيلنا إلى ذلك العالم. ولو كانت هناك علاقة طبيعية بين اللفظ والمعنى، لاستطاع من يعرف الشيء أن يخمّن اسمه في كل لغة، ولأصبح تعلم اللغات الأجنبية أقرب إلى اكتشاف قوانين الطبيعة منه إلى اكتساب نظام جديد من الرموز.

ومن هنا نفهم شيئًا مهمًا في علاقتنا باللغات الأخرى. نحن أحيانًا نتعامل مع الكلمات وكأن لكل كلمة في لغة ما توأمًا مطابقًا لها في لغة أخرى. فنبحث عن «المقابل» ونظن أننا وجدنا المعنى نفسه. لكن اللغة أكثر تعقيدًا من ذلك. قد تحمل كلمتان معنى متقاربًا، لكنهما تختلفان في الظلال والإيحاءات والسياقات الثقافية. وقد تمتلك لغة كلمة واحدة لمفهوم تعبّر عنه لغة أخرى بكلمتين أو أكثر. وقد تعبّر لغة عن معنى بكلمة، بينما تستخدم لغة أخرى تركيبًا كاملًا للتعبير عنه. ولهذا فإن الترجمة الحرفية، التي تنقل الكلمات واحدة بعد أخرى وكأن اللغات نسخ مختلفة من قاموس واحد، كثيرًا ما تنتج نصًا مفهوم الكلمات لكنه غريب الروح. فاللغات لا تختلف في قاموسها فقط، بل تختلف في طريقة ترتيبها للأفكار، وبناء جملها، واستعمالها للأزمنة، والتعبير عن العلاقات بين الأشياء، بل وفي الإيقاع والنبر والتنغيم. إننا لا نتكلم كلمات منفردة بقدر ما نتكلم جملًا، والجملة هي المكان الذي تلتقي فيه الكلمات لتؤدي معنى كاملًا.

وهذا يجعل اللغة أشبه بنظام حيّ له قوانينه الداخلية. فنحن، على سبيل المثال، نستطيع أن نفهم جملة لم نسمعها من قبل، ونستطيع أن ننتج عشرات الجمل التي لم يقلها أحد أمامنا، لأننا لا نحفظ اللغة حفظًا آليًا، بل نمتلك معرفة بنظامها. الطفل الذي يتعلم العربية لا يحفظ جميع الجمل التي سيقولها في حياته، فهذا مستحيل، لكنه يتعلم تدريجيًا كيف تتكون الجملة، وكيف تتغير الكلمات، وكيف ترتبط الأصوات والمعاني. ولذلك يستطيع أن يقول جملة جديدة تمامًا لم يسمعها من قبل، ومع ذلك يفهمها الآخرون.

وهذه النظامية لا تعني أن اللغة آلة رياضية خالية من الاستثناءات. فاللغة تجمع بين النظام والمرونة، وبين القواعد وما خرج عنها، وبين ما يمكن التنبؤ به وما حفظته الجماعة اللغوية واستقر في استعمالها. ولهذا فإن محاولة جعل اللغة نسخة منطقية صلبة من قوانين العقل قد تقود إلى سوء فهمها. اللغة ليست معادلة رياضية، وليست مضطرة إلى أن تتصرف كما تتصرف أنظمة المنطق الصوري؛ إنها نظام إنساني تشكل عبر الاستعمال والتاريخ والحاجة والتواصل.

ولأن اللغة نظام اجتماعي، فإنها لا تُورث كما تُورث بعض الصفات الجسدية. الطفل لا يولد وفي داخله لغة عربية أو إنجليزية أو فرنسية جاهزة، وإنما يولد باستعداد إنساني لاكتساب اللغة. فإذا نشأ في بيئة عربية اكتسب العربية، وإذا نشأ في بيئة نرويجية اكتسب النرويجية، بغض النظر عن أصل والديه. فاللغة التي يتكلم بها الإنسان ليست مكتوبة في نسبه، وإنما تتشكل في البيئة التي ينشأ فيها. وهذا وحده كافٍ لكي يجعلنا نعيد النظر في كثير من التصورات الشائعة حول «اللغة الأصلية» و«اللغة الفطرية».

والأمر نفسه ينطبق على فكرة اللغات المتطورة واللغات البدائية. فمن السهل أن ننظر إلى لغة مجتمع لا يمتلك مفردات كثيرة في التكنولوجيا الحديثة، ثم نصفها بأنها أقل تطورًا. لكن اللغة لا تحتاج إلى تسمية شيء لا وجود له في حياة أهلها. فإذا دخلت التكنولوجيا إلى مجتمع جديد، احتاج الناس إلى تسميتها، فإما أن يولدوا كلمات جديدة، أو يوسعوا معاني كلمات قديمة، أو يقتبسوا من لغة أخرى. اللغة تتغير لأنها تعيش مع أصحابها، وتتحرك معهم حيث يتحركون.