لمن تُخطَّط المدينة: للإنسان أم للسيارة؟ – د. سامي بن عبدالله  الدبيخي

حين صدر كتاب جين جاكوبس «موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى» عام 1961، لم يكن مجرد اعتراض على ذوق معماري أو مدرسة تخطيطية، بل كان احتجاجًا على طريقة كاملة في النظر إلى المدينة. ففي زمن كانت فيه الطرق السريعة والأبراج المنعزلة تُسوق بوصفها علامات التقدم ومقياس العصرنة، كانت جاكوبس تمشي في الشارع وتنظر من الرصيف وتطرح سؤالًا أبسط وأعمق: ماذا يحدث للناس حين تُخطَّط المدينة وتصمَّم كما لو أن وظيفتها الأساسية هي تمرير السيارات وتسهيل حركتها وتنقلها؟

في نيويورك، اصطدمت جاكوبس بنفوذ روبرت موزس، الذي أعاد تشكيل أجزاء واسعة من المدينة وشبكاتها. وكانت معركة الطريق السريع المقترح عبر مانهاتن السفلى مثالًا صارخًا. خط يختصر الانتقال وحركة السيارات على الورق، أما في الواقع فنسيج أحياء وذكريات وعلاقات اجتماعية مهددة بالاقتلاع من جذورها. هنا ظهرت قوة فكرة جاكوبس: المدينة ليست مجموعة مبانٍ منفصلة، بل منظومة حية تتولد حيويتها من الاحتكاك والتفاعل اليومي بين السكان والشارع والمتجر والمدرسة والمقهى.

ومن أشهر تعبيراتها عيون الشارع. فالشارع الآمن، في منظورها، لا يصنعه الفراغ ولا الأسوار وحدها، بل وجود الناس وتعدد أسباب حضورهم في أوقات مختلفة من اليوم. ومن هنا دفاعها عن خلط الاستخدامات (استعمالات الأراضي)، والكتل العمرانية القصيرة، وتنوع أعمار المباني، والكثافة التي تكفي لدعم الخدمات والحركة من دون أن تتحول إلى ازدحام خانق.

لكن كيف وصل كثير من المدن إلى النقيض؟ جزء من الإجابة يكمن في «أنظمة تخطيط الزونينغ التقليدية» القائمة على فصل الاستخدامات. فقد نشأ الفصل بين مواقع السكن والصناعة الملوِّثة مثلًا لحماية الصحة والراحة، وهي غاية مفهومة ومشروعة. غير أن المبدأ اتسع في تطبيقات كثيرة حتى صار يفصل السكن عن المتجر، والعمل عن المدرسة، والخدمة اليومية عن الحي.

ومع كل مسافة إضافية، أصبحت السيارة شرطًا للوصول، ثم بدأت المدينة نفسها تُعاد هندستها لتخدم شرط السيارة، كشوارع أعرض، ومواقف أكثر، ووجهات أبعد، ومسافات أقل ترحيبًا بالمشي. وتشير أدبيات إصلاح الزونينغ الحديثة إلى ارتباط هذا الفصل الصارم بأنماط عمرانية أكثر اعتمادًا على المركبة.

هنا تظهر، على سبيل المثال، أهمية التشريعات القائمة على الأشكال بدل الاستعمالات Form-Based Codes (FBC). فهي لا تسأل أولًا ما الاستخدام داخل هذا المبنى؟، بل: كيف يقف المبنى على الشارع؟ ما ارتفاعه وواجهته؟ أين المدخل؟ ما عرض الرصيف؟ كيف تتجاور الكتل؟ وهل المجال العام (الفراغ العمراني) مريح للمشي واللقاء والتفاعل الاجتماعي؟ هي لا تلغي تنظيم الاستخدامات، لكنها تجعل شكل المكان والمشهد الحضري والعلاقة بين المبنى والشارع والمشاة أساسًا تنظيميًا وتخطيطيًا أقوى، بما يتيح مزيجًا أوسع من الأنشطة حين تكون متوافقة.

والفارق هنا جوهري. الزونينغ التقليدي قد ينجح في منع ما لا نريده، لكنه لا يضمن أن يصنع المكان الذي نريد. أما FBC فيحاول ترجمة صورة المدينة المرغوبة (جمالية الشكل المعماري والمشهد/ المظهر العمراني) إلى قواعد واضحة متمثلة في واجهات نشطة، مبانٍ أقرب إلى الرصيف، شبكات شوارع مترابطة، كتل قابلة للمشي، وأنواع متنوعة من السكن والأنشطة.

ختامًا، ليس هذا التحول وصفة سحرية، فالكود العمراني الجيد يحتاج رؤية مجتمعية واضحة، ومعايير قابلة للتنفيذ، وتنسيقًا مع النقل والإسكان والفراغ العام. لكن قيمته أنه يغيّر نقطة البداية: من سؤال أين نضع كل استعمال بعيدًا عن الآخر؟ إلى سؤال أي نوع من المكان نريد أن نعيش فيه؟ بعد أكثر من ستة عقود على كتاب جاكوبس، ما زال السؤال نفسه قائمًا: هل نقيس نجاح مدننا بسرعة تنقل السيارة، أم بجودة الحياة فيها وأنسنتها؟ فالتخطيط العمراني ليس هندسة نقل وحركة فحسب. إنه تعزيز للبعد الإنساني وتكريس للتفاعل الاجتماعي وصناعة المكان العمراني. وكل تشريع يحدد عرض شارع أو موضع مبنى أو فصل استخدام، يكتب بصمت سطرًا في حياة الناس اليومية. المدينة الإنسانية تبدأ حين نتذكر أن الشارع ليس ممرًا بين نقطتين، بل مكانًا للحياة نفسها والتفاعل الاجتماعي.

حين صدر كتاب جين جاكوبس «موت وحياة المدن الأمريكية الكبرى» عام 1961، لم يكن مجرد اعتراض على ذوق معماري أو مدرسة تخطيطية، بل كان احتجاجًا على طريقة كاملة في النظر إلى المدينة. ففي زمن كانت فيه الطرق السريعة والأبراج المنعزلة تُسوق بوصفها علامات التقدم ومقياس العصرنة، كانت جاكوبس تمشي في الشارع وتنظر من الرصيف وتطرح سؤالًا أبسط وأعمق: ماذا يحدث للناس حين تُخطَّط المدينة وتصمَّم كما لو أن وظيفتها الأساسية هي تمرير السيارات وتسهيل حركتها وتنقلها؟

في نيويورك، اصطدمت جاكوبس بنفوذ روبرت موزس، الذي أعاد تشكيل أجزاء واسعة من المدينة وشبكاتها. وكانت معركة الطريق السريع المقترح عبر مانهاتن السفلى مثالًا صارخًا. خط يختصر الانتقال وحركة السيارات على الورق، أما في الواقع فنسيج أحياء وذكريات وعلاقات اجتماعية مهددة بالاقتلاع من جذورها. هنا ظهرت قوة فكرة جاكوبس: المدينة ليست مجموعة مبانٍ منفصلة، بل منظومة حية تتولد حيويتها من الاحتكاك والتفاعل اليومي بين السكان والشارع والمتجر والمدرسة والمقهى.

ومن أشهر تعبيراتها عيون الشارع. فالشارع الآمن، في منظورها، لا يصنعه الفراغ ولا الأسوار وحدها، بل وجود الناس وتعدد أسباب حضورهم في أوقات مختلفة من اليوم. ومن هنا دفاعها عن خلط الاستخدامات (استعمالات الأراضي)، والكتل العمرانية القصيرة، وتنوع أعمار المباني، والكثافة التي تكفي لدعم الخدمات والحركة من دون أن تتحول إلى ازدحام خانق.

لكن كيف وصل كثير من المدن إلى النقيض؟ جزء من الإجابة يكمن في «أنظمة تخطيط الزونينغ التقليدية» القائمة على فصل الاستخدامات. فقد نشأ الفصل بين مواقع السكن والصناعة الملوِّثة مثلًا لحماية الصحة والراحة، وهي غاية مفهومة ومشروعة. غير أن المبدأ اتسع في تطبيقات كثيرة حتى صار يفصل السكن عن المتجر، والعمل عن المدرسة، والخدمة اليومية عن الحي.

ومع كل مسافة إضافية، أصبحت السيارة شرطًا للوصول، ثم بدأت المدينة نفسها تُعاد هندستها لتخدم شرط السيارة، كشوارع أعرض، ومواقف أكثر، ووجهات أبعد، ومسافات أقل ترحيبًا بالمشي. وتشير أدبيات إصلاح الزونينغ الحديثة إلى ارتباط هذا الفصل الصارم بأنماط عمرانية أكثر اعتمادًا على المركبة.

هنا تظهر، على سبيل المثال، أهمية التشريعات القائمة على الأشكال بدل الاستعمالات Form-Based Codes (FBC). فهي لا تسأل أولًا ما الاستخدام داخل هذا المبنى؟، بل: كيف يقف المبنى على الشارع؟ ما ارتفاعه وواجهته؟ أين المدخل؟ ما عرض الرصيف؟ كيف تتجاور الكتل؟ وهل المجال العام (الفراغ العمراني) مريح للمشي واللقاء والتفاعل الاجتماعي؟ هي لا تلغي تنظيم الاستخدامات، لكنها تجعل شكل المكان والمشهد الحضري والعلاقة بين المبنى والشارع والمشاة أساسًا تنظيميًا وتخطيطيًا أقوى، بما يتيح مزيجًا أوسع من الأنشطة حين تكون متوافقة.