لماذا يعادوننا؟ – د.عبدالله بن موسى الطاير

يتساءل السعوديون، وبخاصة جيل Z: لماذا يعادوننا؟ ويزداد السؤال ألما حين نجد، في مثل هذه الظروف، من يبرر الاعتداء علينا أو يشمت بضحاياه، ممن يفترض أنهم يشتركون معنا في الانتماء العربي أو الإسلامي. بالنسبة إلى جيلي، فقد خبرنا فترات كان فيها الهجوم على السعودية جزءًا من الأدبيات السياسية للشيوعيين والبعثيين والقوميين، والحركات الإسلامية.

اختلفت مبررات الخصومة لكنها التقت عند رفض النموذج السياسي السعودي، أو الاعتراض على استقلال المملكة عن المشاريع التي أرادت تلك الحركات فرضها على المنطقة.

نعد للتاريخ، فقد واجهت الدولة السعودية منذ نشأتها في القرن 18 خصومات سياسية ودينية، كان أبرزها الصراع مع الدولة العثمانية. وتراكمت خلال ذلك الصراع أدبيات جدلية استمر تداول بعضها حتى بعد زوال الظروف التي أنتجتها. وبعد التوحيد، أصبحت المملكة قوة سياسية تحتل مكانة إسلامية ترتب عليها نفوذ ومسؤوليات وتوقعات تتجاوز حدودها الوطنية.

لاحقا، شكلت القومية العربية أحد أبرز مصادر العداء السياسي، حين تبنت أنظمة وحركات عربية مشاريع ثورية رفعت شعارات الوحدة والتحرر والاشتراكية، ورأت في الأنظمة الملكية عقبة أمام تحقيق أهدافها. في مقابل ذلك الضجيج اختارت المملكة بناء مؤسساتها الوطنية وإقامة علاقات استراتيجية مع الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، مما جعل بعض التيارات الثورية يعتبرون هذا الاختيار تبعية سياسية، ورموا المملكة بمفردات الرجعية والإمبريالية لتجريدها من استقلال قرارها ومشروعية خياراتها.

الأنظمة تسقط، والأحزاب تضعف، لكن الصور التي صنعتها عبر التعليم والإعلام والخطاب السياسي تستمر لأجيال مما جعل آثار تلك المرحلة تستعمر الذاكرة السياسية العربية، ولهذا نجد اليوم من يستخدم مفردات تعود إلى الستينيات، رغم التحولات العميقة التي شهدتها المملكة والمنطقة.

تبنى النظام الإيراني مشروعا لتصدير ثورته التي أسماها إسلامية، وتوسيع نفوذه الإقليمي، ووظف الخلافات المذهبية في صراعه السياسي مع المملكة. واليوم تمثل الجماعات المسلحة أداة عسكرية بيد الثورة للضغط على المملكة واستهداف منشآتها المدنية والاقتصادية، وإرباك أمنها ومشروعاتها التنموية. وسيكون من الخطأ التعامل مع الاعتداءات الحوثية الإرهابية كامتداد للخلافات اليمنية الداخلية، فهي في الواقع تحمل رسائل سياسية تتجاوز اليمن، وترتبط بمحاولة التأثير في مواقف الدول والمجتمعات من الحرب الدائرة.

سنرتكب خطأ جسيما إذا توقعنا أن الأيديولوجيا تفسر منفردة جميع المواقف السلبية تجاه المملكة، فقد أدى صعودها الاقتصادي إلى تغيير موازين المكانة في المنطقة، حيث كانت عواصم عربية عديدة تتصدر في التعليم والصحافة والحياة الثقافية، ثم أصبحت الرياض مركز الثقل في العمل والاستثمار والتنمية.

وقد ولّد هذا التحول مصالح واسعة وروابط اجتماعية عميقة، لكنه في المقابل استثار مقارنات وحساسيات ممن رأوا أن مكانتهم التاريخية لم تعد تنعكس في واقعهم الاقتصادي. ويلعب الحرمان النسبي دورا في تأجيج العداء، حين يقارن الفرد أو المجتمع وضعه بما يعتقد أنه يستحقه قياسا بالآخرين، وقد يجد بعضهم في نسبة النجاح السعودي كله إلى النفط تفسيرا سهلا يعفيه من مراجعة أسباب تعثر التنمية في بلاده. فالنفط مورد طبيعي، لكن أثره في التنمية يتوقف على إدارة الدولة له واستقرارها وخياراتها السياسية والاقتصادية.

وتزيد مكانة المملكة الإسلامية من حجم التوقعات، فهناك من يريد منها أن تتحمل وحدها أعباء قضايا عربية وإسلامية، وأن تتبنى السياسات التي يراها هو مناسبة.

وقد تتحول هذه التوقعات إلى اتهامات عندما تختار المملكة وسائل مختلفة لتحقيق مصالحها وخدمة القضايا التي تؤمن بها. بعض الجماعات التي تطالب المملكة بخوض المواجهات تتجاهل التكاليف التي سيتحملها المواطن السعودي، بينما تعفي نفسها من مسؤوليات مماثلة، وهو فخ لطاما رفضت السعودية الوقوع فيه.

من المفيد التأكيد على إن السؤال الذي يطرحه الشباب السعودي اليوم يتأثر بطبيعة وسائل التواصل الاجتماعي، ففي الماضي كانت الحملات العدائية تصدر عن حكومات وأحزاب ووسائل إعلام معروفة، أما اليوم، فتصل الإساءة مباشرة إلى المواطن من حسابات يصعب معرفة أصحابها، وتتضاعف عبر إعادة النشر والتفاعل. وقد تدفع كثافة هذا المحتوى الشاب إلى الاعتقاد بأن الشعوب العربية والإسلامية بأكملها تحمل مشاعر عدائية تجاه السعوديين، وهذا ليس صحيحا البتة. فهناك ملايين البشر الذين تربطهم بالمملكة مصالح وتجارب وذكريات وروابط دينية واجتماعية، وقد أظهرت استطلاعات للشباب العربي حضور المملكة ضمن أهم خمس دول في العالم يرغب الشباب في اقتداء بلدانهم بنموذجها.

إن أخطر نتائج حملات الكراهية الموجهة ضدنا تتمثل في دفع الأجيال السعودية الشابة إلى تبني مشاعر كراهية مضادة تجاه العرب والمسلمين، وسيكون ذلك مكسبا للقوى التي تسعى إلى إضعاف مكانة المملكة والإضرار بعلاقاتها بمحيطها. يجب ألا يخضع الانتماء الوطني السعودي لمزاج الحسابات الإلكترونية أو خطاب الجماعات المؤدلجة؛ فقد واجهت المملكة منذ بداية توحيدها تهديدات أشد خطورة من حملات التشويه، وتعاملت مع حروب إقليمية وصراعات أيديولوجية وتغيرات دولية كبرى، وكان حرص قيادتها على استمرار الدولة وأمن المجتمع والتنمية عاملا رئيسا في تجاوز تلك الأزمات، وكشف عن قدرة تراكمية على إدارة المخاطر والمحافظة على المصالح الوطنية، ومن تلك المصالح المهمة تعزيز مكانة المملكة في العالمين العربي والإسلامي.

أظن أن علينا كسعوديين قراءة التاريخ جيدا، ومعرفة أن العداء الذي يواجه بلادنا له أسباب ومصالح وذاكرة سياسية، وعلينا ألا نسمح لخصوم المملكة بتحديد نظرتنا إلى العالم العربي والإسلامي، فذلك غاية مرادهم.

لقد زالت أنظمة وحركات جعلت من معاداتنا مكونا في هويتها السياسية، وبقيت المملكة تواصل البناء والتنمية، لأن قدرتها على الاستمرار لا تتوقف على مشاعر الآخرين تجاهها، كما لا تتوقف مشروعية الدفاع عن أمنها وسيادتها على تفهم خصومها لمواقفها.

يتساءل السعوديون، وبخاصة جيل Z: لماذا يعادوننا؟ ويزداد السؤال ألما حين نجد، في مثل هذه الظروف، من يبرر الاعتداء علينا أو يشمت بضحاياه، ممن يفترض أنهم يشتركون معنا في الانتماء العربي أو الإسلامي. بالنسبة إلى جيلي، فقد خبرنا فترات كان فيها الهجوم على السعودية جزءًا من الأدبيات السياسية للشيوعيين والبعثيين والقوميين، والحركات الإسلامية.

اختلفت مبررات الخصومة لكنها التقت عند رفض النموذج السياسي السعودي، أو الاعتراض على استقلال المملكة عن المشاريع التي أرادت تلك الحركات فرضها على المنطقة.

نعد للتاريخ، فقد واجهت الدولة السعودية منذ نشأتها في القرن 18 خصومات سياسية ودينية، كان أبرزها الصراع مع الدولة العثمانية. وتراكمت خلال ذلك الصراع أدبيات جدلية استمر تداول بعضها حتى بعد زوال الظروف التي أنتجتها. وبعد التوحيد، أصبحت المملكة قوة سياسية تحتل مكانة إسلامية ترتب عليها نفوذ ومسؤوليات وتوقعات تتجاوز حدودها الوطنية.