ما أعجبَ الإنسانَ في خصومته مع الزمان! يُقيم في يومه ساخطًا عليه، مستبطئًا انقضاءه، فإذا انصرم اليوم ونأى به العهد، عاد يستنقذه من خزائن الذاكرة، ويستعذب منه ما كان يستثقل، ويستروح إلى ما كان يستعجل فواته؛ حتى لكأن الأيام لا تكتمل محاسنها في عينه إلا إذا ماتت، ولا تستوفي فضيلتها إلا حين يستحيل استردادها. وللماضي في النفس سطوةٌ خفيّة؛ فالذاكرة لا تستبقي الحياة كما وقعت، وإنما كما ترسّب صداها في القلب. تنفض عن الصورة كثيرًا من غبار الطريق، وتُخمد جلبة الأحزان، وتطوي ساعات السأم والترقّب، ثم تستبقي ضحكةً هنا، ووجهًا هناك، ومجلسًا وادعًا، وصوتًا أليفًا، وعبق مكانٍ عتيق؛ فإذا التأمت هذه الشذرات في الوجدان أطلق عليها صاحبها اسمًا واحدًا: الماضي الجميل.
وما فطن المسكين إلى أنه لا يوازن زمنًا بزمن، وإنما يوازن حاضرًا مثقلًا بجميع حقائقه، بماضٍ صفّته الذاكرة من شوائبه؛ فيضع في إحدى الكفتين الحياة كما هي، وفي الأخرى الحياة كما تشتهي نفسه أن تستذكرها، ثم يعجب أن رجحت كفّة الأمس!
وهذه من ألطف مخادعات النفس في باب الزمان: أن النائي يرقُّ حتى يستحيل فتنةً، والداني يثقل حتى يبدو منقوصًا؛ فالمصيبة العتيقة حكاية، والمصيبة الحاضرة لوعة؛ والتعب المنقضي ذكرى، والتعب القائم عناء؛ والنعمة الغابرة حنين، والنعمة الماثلة عادة.
ومن هاهنا كان أعرف الناس بأقدار النعم من سُلِبوها، وأغفلهم عنها من لا تزال تجري بين أيديهم. وقد قال الله تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)؛ وليس موطن العجب أن تعجز الألسنة عن استقصائها، وإنما العجب أن تغمر النفسَ النعمُ من كل صوب، ثم تشكو جدبها منها! وأن يكون المرء محفوفًا بألطاف الله إحاطة السمكة بالماء، ثم يفتّش متكلّفًا عن شاهدٍ على أن الله قد أنعم عليه.
وإن من النعم ما لا يستتر لضآلته، بل لعِظَم إحاطته؛ كالعافية، والأمن، والأهل، والسكن، وصوت من تحب، والقدرة على أن تنهض مع الصباح. وهي النعم التي جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصولًا عظيمةً منها في قوله: «مَن أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».
تأمّلها: أمنٌ لا يفزع معه القلب، وعافيةٌ لا يستغيث معها الجسد، وقوتٌ يسدُّ خَلّة اليوم؛ أشياء قد يستفتح بها المرء صباحه فلا يراها شيئًا، وهي عند من فقدها غاية المنى.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ». وإنما يقع الغبن حين تكون السلعة النفيسة في يد صاحبها، فلا يعرف ثمنها إلا بعد أن تفلت منه.
وكم من وجهٍ ألفتَ طلعتَه حتى خُيّل إليك أن حضوره سُنّةٌ كونية لا يلحقها تبدّل، وكم من صوتٍ اعتاده سمعك حتى غاب عنك أنه نعمة، وكم من جسدٍ أطاعك سنين فما شكرت انقياده؛ ثم يفجؤك يومٌ يحتجب فيه وجه، أو يستوحش مكانٌ من صوت، أو يعجز الجسد عما كان يأتيه عفوًا بلا روية؛ فإذا النعمة تنكشف لك دفعةً واحدة، ولكن بعد أن ارتحلت من يدك إلى ذاكرتك.
وهنالك يبكي الإنسان؛ لا لأن الماضي كان أبهى بالضرورة، ولكن لأنه أبصر بهاءه بعد فوات أوانه. ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك». ففي «زوال نعمتك» من الإيقاظ ما يردُّ القلب إلى النعمة قبل أن توقظه مصيبة فقدها.
وكم نجور على الحاضر حين نقول: مضى زمان الطيبين، وانقضى صفاء العيش، وارتحلت البركة؛ كأن خزائن الله كانت بالأمس طافحةً ثم نضبت، وكأن الذي أودع أيام آبائنا محاسنها لا يملك أن يكسو أيام أبنائنا جمالًا من لون آخر!
وحاشا لله؛ (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقال سبحانه: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ).
لم يجعل الله الخير حِكرًا على جيل، ولا الجمال إقطاعًا لحقبة دون حقبة؛ وإنما تتصرّف صور النعم بتصرّف الحياة، وتتبدّل هيئاتها بتبدّل الأحوال، ويبقى المنعِم سبحانه واحدًا، لا تنفد خزائنه، ولا تنقطع ألطافه.
وليس مؤدّى ذلك أن الأزمنة سواء؛ فلكل عصرٍ محاسنه وآفاته، ولكل جيلٍ مغنمٌ ومغرم، وشيءٌ يحرزه وشيءٌ يفقده. ولكن الجور كل الجور أن نستحضر حاضرنا بعيوبه كافة، ونستدعي الماضي بمحاسنه وحدها؛ فنذكر من بيوت الأولين دفأها، ونطوي شقاءها؛ ونستعيد من مجالسهم أُنسها، ونسقط خصوماتها؛ ونمتدح بساطة عيشهم، ونغفل عن مكابدته؛ ثم نقتطع من زماننا صخبه وفتنه وقلقه، ونغضي عما فتح الله فيه من آفاق العلم والعلاج والمعرفة وتيسير أسباب المعاش.
تلك ليست موازنة؛ بل محاكمةٌ أُبرم قضاؤها قبل انعقادها.
والحنين، على عذوبته، ليس وثيقةً للتاريخ؛ وإنما هو شهادة عاطفة. والقلب إذا هام بزمنٍ لم يدوّن تاريخه، بل أنشأ مرثيته. وما أكرم الحنين حين يكون وفاءً، وما أشنعه حين يستحيل جحودًا!
أن تشتاق إلى دارك الأولى وفاء؛ أما أن تزعم أن الدور من بعدها لا دفءَ فيها فجحود. وأن تحفظ لرجالٍ مضوا جميل العهد وفاء؛ أما أن تزعم أن الأرض عَقِمت بعدهم فجحود. وأن تصون لأيام الصبا بهجتها وفاء؛ أما أن ترى ما بقي من عمرك عقوبةً على انقضائها، فذلك أن تهدر عطاء الله الحاضر لأن بصرك مأخوذٌ بصورة عطائه الغابر.
وقد أرشد القرآن القلب إلى ميزانٍ لو استقام عليه لتحرّر من استرقاق الأمس وفزع الغد: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ). فما فاتك ليس معبودًا للحزن، وما أتاك ليس معبودًا للفرح؛ وإنما أنت عبدٌ لله في الحالين، تتقلّب بين سلبٍ وعطاء، وفقدٍ ووجدان، وتتعلّم أن يكون تعلّق قلبك بالمنعِم قبل النعمة، وبالباقي قبل الفاني.
ومن تمام هذا الفقه ألا يستسلم المرء لـ«لو» حين يفوته شيء، فيظل ينبش قبور الأمس ويتخيّل حياةً أخرى كان يمكن أن تكون؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل».
وهذا من أعظم أدوية الحنين إذا جاوز حدّه: أن تعرف أن ما مضى قد دخل في سلطان القدر، وأن واجبك ليس إعادة الأمس، وإنما إحسان العبودية في اليوم الذي أبقاه الله لك.
ومن ثمّ لم يكن من الرشد أن يخاصم المرء دهره؛ فالدهر لا يهب ولا يسلب، ولا يرفع ولا يضع، وإنما الأمر كله لله. وفي الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار».
فلا تقل: فسد الزمان، كأن الزمان فاعلٌ مستقل أفسد الناس؛ ولا تقل: كان الأمس سمحًا وأضحى اليوم شحيحًا. إنما الأيام أوعية، ونحن بعض ما يُسكب فيها. بل إن الله أقسم بالعصر فقال: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)؛ فالزمان ليس متهمًا في القرآن، وإنما الإنسان هو الذي يُسأل: ماذا صنع بما أُعطي منه؟ ثم استثنى سبحانه من الخسران (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). فإن ابتغيت زمانًا جميلًا فلا تقعد مترقّبًا قدومه، بل أودع زمانك من صالح عملك، ونبيل خُلُقك، وصدق إيمانك، ما يجعله أهلًا لأن يُحنَّ إليه إذا انقضى.