لماذا تريد سويسرا حياداً «أكثر صرامة».. وما الذي تغيّر بعد 4 قرون؟

في 27 سبتمبر/ أيلول الجاري يصوت المواطنون السويسريون على «مبادرة الحياد»، التي تدعو إلى ترسيخ تفسير وتطبيق أكثر صرامة للحياد في الدستور الفيدرالي، بما يشمل منع الحكومة السويسرية من فرض عقوبات اقتصادية على أي دولة.سيقرر الناخبون السويسريون في الاستفتاء ما إذا كانوا سيوافقون على صيغة أكثر تقييدا من الحياد، من شأنها أن تمنع بلادهم من فرض عقوبات اقتصادية أو التعاون مع حلف شمال الأطلسي.وانتشرت في أنحاء ​الدولة الجبلية ملصقات تحمل صور حمائم سلام وتدعو الناخبين إلى رفض الحرب، وذلك في حملة حظيت بدعم ‌الكرملين، لكنها أثارت مخاوف من أن تؤدي إلى عزل سويسرا عن جيرانها الأوروبيين.وتشير استطلاعات رأي إلى أن الناخبين سيرفضون الاقتراح، إذ أظهر استطلاع حديث أن 62% يعارضونه مقابل 36% يؤيدونه، لكن خبير استطلاعات الرأي فابيو فاسرفالين قال إن مع إنفاق دعاة التغيير أموالا أكثر من مؤيدي الوضع ​الراهن، قد تضيق هذه الفجوة.رفض العقوبات وأبقى الحياد السويسري، المعترف به دوليا منذ 1815 والمدرج في دستور البلاد منذ 1848، ​سويسرا بعيدة عن الحربين العالميتين.لكن كريستوف بلوخر السياسي المخضرم والمؤيد لحزب الشعب السويسري اليميني الذي يدعم ⁠الحملة قال إن هذا الوضع مهدد بعد أن فرضت سويسرا عقوبات على روسيا بسبب غزوها أوكرانيا في 2022.وأضاف لرويترز في مقابلة «لم ​تشهد سويسرا حربا منذ 200 عام لأنها ظلت مسلحة ومحايدة بشكل دائم».الحياد يتآكللا يحدد الدستور شروط ​الحياد السويسري بشكل صريح، بينما يحدد نطاقه اتفاق لاهاي لعام 1907، الذي ينص على ألا تسمح الدول المحايدة باستخدام أراضيها لأغراض عسكرية وأن تلتزم الحياد بين الأطراف المتحاربة.وقال بلوخر، الذي قاد حملات ناجحة ضد توطيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إن الحياد يتآكل، إذ تنظر روسيا الآن إلى سويسرا ​باعتبارها طرفا في الصراع بسبب العقوبات.وأضاف «قد لا تكون الحرب العالمية الثالثة بعيدة جدا، وعندها سيكون من المهم ما إذا كنا محايدين ​بشكل ذي مصداقية أم لا».وتدخلت وزارة الخارجية الروسية في النقاش، إذ انتقدت المتحدثة باسمها ماريا زاخاروفا سويسرا في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي ‌بسبب مواءمة ⁠عقوباتها مع عقوبات الاتحاد الأوروبي.وقالت زاخاروفا التي تخضع هي نفسها لعقوبات سويسرية «من الناحية القانونية، الحياد المرن يعني عدم وجود حياد على الإطلاق».وترغب الحملة في أن ينص الدستور على أنه لا يمكن لسويسرا الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو دفاعي أو التعاون معه، إلا إذا تعرضت لهجوم، وأن تمتنع عن الانضمام إلى أي عقوبات ما لم توافق عليها الأمم المتحدة.كيف تحقق الحياد؟ لقد حافظت سويسرا على حيادها طوال معظم القرون الأربعة الماضية. ووفقاً للدستور السويسري، فإن الحفاظ على الحياد يقع ضمن المسؤولية المشتركة للمجلس الفيدرالي والبرلمان. ويُعد هذا الحياد دائماً ومسلحاً، كما يمنح سويسرا هامشاً من المرونة لحماية مصالحها الوطنية.لقد شكلت التوترات الدينية والاجتماعية ملامح الاتحاد السويسري في القرن السابع عشر وأدت إلى صراعات مسلحة. ومع ذلك، نجحت الكانتونات المتحالفة في النأي بنفسها عن حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) التي دمرت أجزاء واسعة من أوروبا.وكان هذا النجاح بمثابة حجر الأساس لتطور مبدأ الحياد في السياسة الخارجية السويسرية؛ إذ أشار «المجمع الفيدرالي» السويسري -وهو هيئة سبقت تشكيل المجلس الفيدرالي والبرلمان الحاليين- إلى الحياد كتابةً في وقت مبكر يعود لعام 1647.معاهدة باريس ومع هزيمة نابليون، اعترفت القوى الأوروبية الكبرى بالحياد السويسري خلال مؤتمر فيينا، وتحديداً بموجب معاهدة باريس عام 1815، التي حددت حدود سويسرا كما هي عليه اليوم. ومنذ تأسيس الاتحاد السويسري عام 1848، ظل الحياد عنصراً مهماً في سياستها الأمنية والخارجية.ويُعزى الفضل إلى الحياد السويسري في الحفاظ على سلامة البلاد وتماسكها خلال الحرب العالمية الأولى، وسط التوترات بين القوى الأوروبية الكبرى والحركات القومية في الدول المجاورة. ففي ذلك الوقت، كان من الممكن أن يؤدي الانحياز لأي طرف ضد قوى أجنبية إلى تمزيق سويسرا على أسس طائفية ولغوية-ثقافية.معاهدة فرسايبدأت مرحلة اتسمت بنشاط السياسة الخارجية السويسرية بعد عام 1919، حين تم الاعتراف بحياد سويسرا «لغرض الحفاظ على السلام» بموجب معاهدة فرساي. وفي عام 1920، انضمت سويسرا إلى عصبة الأمم.ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، أكد المجلس الفيدرالي مجدداً على حياد سويسرا، وهو الحياد الذي حظي باعتراف الأطراف المتحاربة.وبعد عام 1945، وخلال التوترات السياسية للحرب الباردة بين الشرق والغرب، تبنت سويسرا نهجاً صارماً ومحدود النطاق للغاية فيما يتعلق بحيادها مقارنة بالدول المحايدة الأخرى؛ حيث امتنعت في البداية عن الانضمام إلى المنظمات الدولية ذات الطابع السياسي.ولم تنضم سويسرا إلى مجلس أوروبا إلا في عام 1963، وفي عام 1975 وقّعت في هلسنكي على «الوثيقة الختامية لمؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا» (الذي يُعرف حالياً باسم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا). وقد أقرت الدول المشاركة في هذه الوثيقة بحق جميع الأعضاء في تبني سياسة الحياد.الحرب الباردةأدت التحولات الجذرية التي أعقبت سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي إلى تغيير جوهري في بيئة السياسة الخارجية والأمنية لسويسرا؛ مما دفع المجلس الاتحادي إلى اتخاذ قرار بتكييف سياسة الحياد لتلائم الظروف الجديدة التي تلت الحرب الباردة.وفي عام 1993، أصدر المجلس «ورقة بيضاء» أكدت أن تحقيق الأمن على النحو الأمثل يتم من خلال التعاون الذي يظل متوافقاً مع مبدأ الحياد.