للكلمة تبعاتٌ – نجلاء العتيبي

إن لم يكن صاحبُ القلم أمينًا على الحقيقة، فمن يحرس حقَّ الناس في معرفتها؟ وإن دخل إلى الخبر مُحمَّلًا بأحكامه، فكيف يخرج القارئ منه برؤيةٍ عادلةٍ؟ إن الكلمة التي تصل إلى إنسانٍ قد تُعيد ترتيب مشاعره تجاه آخر، وقد تمنحه ثقةً يستحقُّها، أو تزرعُ في صدره خصومةً لم يخترها؛ لذلك تبدأ مسؤولية الكاتب قبل الكتابة؛ فعند اللحظة التي يسأل فيها نفسه: أأنقُلُ ما حدث، أم أبحثُ فيما حدث عمَّا يوافقني؟

للشفافية معنًى يتجاوز ذكر الوقائع؛ إنها وضوح الطريق الذي وصلت عبره، والاعتراف بما ينقصها، والفصل بين المعلومة وتفسيرها، ومن حق القارئ أن يعرف أين ينتهي الخبر، وأين يبدأ رأي صاحبه، وأن يجد أمامه ما يُساعده على الفهم، دون أن تُساق مشاعره إلى نتيجة أُعدَّت له سلفًا، واحترام عقله يقتضي أن نترك له مساحة يراجع فيها ويسأل ويختلف.

وقد يحمل الإنسان اعتزازًا بفكرة، أو تمسكًا برأي، أو اقتناعًا بتجربة، وكل ذلك مفهومٌ ما دام قلبُهُ يتسع للعدل، ولكن تبدأ المشكلة عندما يُصبح الاقتناع إذنًا بالتبرير، ويتحوَّل الاختلاف إلى تُهمةٍ، عندها يتبدَّل ميزان الرواية؛ فيضخم الخطأ حين يخالف موقفه، ويصغر حين يوافقه، وتختار الكلمات لخدمة قناعته، فتغدو الواقعة نفسها مستحقة للغضب مرةً، وجديرة بالتفهُّم مرةً أخرى. ما أشدَّ حاجة صاحب القلم إلى شجاعة مراجعة نفسه؛ فالتعصُّب قد يدخل من باب الحرص، ويتحدَّث بلهجة اليقين، ويُقنع صاحبه بأنه يؤدي عملًا نبيلًا، وربما صدَّق الكاتب شعوره، لكنه أخطأ الطريق إلى التعبير عنه؛ ولهذا يحتاج إلى سؤال يُؤلمه قليلًا، ويحمي ضميره طويلًا: لو خالفت الواقعة قناعتي، هل سأكتُبُ بالإنصاف ذاته؟ في الإجابة الصادقة امتحانٌ يستحقُّ أن يتكرَّر.

وراء كل خبر بشر لهم أهل وأبناء وأيام يعيشونها بعد انصراف القُراء، قد يعود الناقل إلى شؤونه، ويبقى شخص يشرح ما لم يقله، أو يدفع عن أسرته أثر عنوان جائر، ليست الدقة ترفًا لُغويًّا؛ إنها مراعاةٌ لحياة قد تضيق بسبب كلمة ناقصة، وسمعة قد تتعب لاسترداد حقها، وما أسهل نشر الاتهام، وما أثقل انتظار التصحيح على من أصابه. ومن الشفافية أن يُعلن الكاتب خطأه بالوضوح الذي أعلن به خبره؛ فالاعتذار المستتر لا يجبر ضررًا معلنًا، وتصحيح المعلومة يحتاج إلى وصول يُوازي وصولها الأول، وفي هذه العودة احترام للمهنة وللقارئ، ودليل على ضمير يقبل التعلُّم، أما الإصرار خشيةَ فِقدانِ المكانة، فقد يحفظ هيئة الكاتب لحظةً، ولكنه يُبدّد الثقة التي بنتها أعوام. ولا تعني الموضوعية إخماد الوجدان؛ فيستطيع القلم أن يتألَّم للمظلوم، ويفرح بالإنجاز، ويدافع عن قيمة، مع التزام التثبُّت والعدل؛ فالوجدان الذي ينضج بالمعرفة يمنح الكتابة دفئها، والوعي الذي يضبط اندفاعه يمنحها قيمتها، وبينهما تنشأ كلمة تصلُ إلى القلب، وتعين العقل، وتحتفظ بقدرتها على التأثير دون أن تستعير قوتها من التحريض. وقد ينسى القارئ اسم مَن كتب، لكنه يحمل أثر كلماته إلى مجلسه وبيته وقراراته، فتتسع مسؤولية الحرف بقدر ما يُوقظ من فهم أو يُورث من أحكام في النفوس.

إن صاحب القلم يُؤتمَن على جزءٍ من وعي الناس، وأجمل ما يتركه في قارئه قدرةً أوسَعَ على الفهم، واستعدادًا أصدق للإنصاف، ويقينًا بأن الحقيقة تستحقُّ أن نبحث عنها، ولو خالفت ما نحب.

«الكلمة هي سفيرة العقل، وصورة الضمير، فمن خان كلمته فقد خان نفسه».

إن لم يكن صاحبُ القلم أمينًا على الحقيقة، فمن يحرس حقَّ الناس في معرفتها؟ وإن دخل إلى الخبر مُحمَّلًا بأحكامه، فكيف يخرج القارئ منه برؤيةٍ عادلةٍ؟ إن الكلمة التي تصل إلى إنسانٍ قد تُعيد ترتيب مشاعره تجاه آخر، وقد تمنحه ثقةً يستحقُّها، أو تزرعُ في صدره خصومةً لم يخترها؛ لذلك تبدأ مسؤولية الكاتب قبل الكتابة؛ فعند اللحظة التي يسأل فيها نفسه: أأنقُلُ ما حدث، أم أبحثُ فيما حدث عمَّا يوافقني؟

للشفافية معنًى يتجاوز ذكر الوقائع؛ إنها وضوح الطريق الذي وصلت عبره، والاعتراف بما ينقصها، والفصل بين المعلومة وتفسيرها، ومن حق القارئ أن يعرف أين ينتهي الخبر، وأين يبدأ رأي صاحبه، وأن يجد أمامه ما يُساعده على الفهم، دون أن تُساق مشاعره إلى نتيجة أُعدَّت له سلفًا، واحترام عقله يقتضي أن نترك له مساحة يراجع فيها ويسأل ويختلف.

وقد يحمل الإنسان اعتزازًا بفكرة، أو تمسكًا برأي، أو اقتناعًا بتجربة، وكل ذلك مفهومٌ ما دام قلبُهُ يتسع للعدل، ولكن تبدأ المشكلة عندما يُصبح الاقتناع إذنًا بالتبرير، ويتحوَّل الاختلاف إلى تُهمةٍ، عندها يتبدَّل ميزان الرواية؛ فيضخم الخطأ حين يخالف موقفه، ويصغر حين يوافقه، وتختار الكلمات لخدمة قناعته، فتغدو الواقعة نفسها مستحقة للغضب مرةً، وجديرة بالتفهُّم مرةً أخرى. ما أشدَّ حاجة صاحب القلم إلى شجاعة مراجعة نفسه؛ فالتعصُّب قد يدخل من باب الحرص، ويتحدَّث بلهجة اليقين، ويُقنع صاحبه بأنه يؤدي عملًا نبيلًا، وربما صدَّق الكاتب شعوره، لكنه أخطأ الطريق إلى التعبير عنه؛ ولهذا يحتاج إلى سؤال يُؤلمه قليلًا، ويحمي ضميره طويلًا: لو خالفت الواقعة قناعتي، هل سأكتُبُ بالإنصاف ذاته؟ في الإجابة الصادقة امتحانٌ يستحقُّ أن يتكرَّر.

وراء كل خبر بشر لهم أهل وأبناء وأيام يعيشونها بعد انصراف القُراء، قد يعود الناقل إلى شؤونه، ويبقى شخص يشرح ما لم يقله، أو يدفع عن أسرته أثر عنوان جائر، ليست الدقة ترفًا لُغويًّا؛ إنها مراعاةٌ لحياة قد تضيق بسبب كلمة ناقصة، وسمعة قد تتعب لاسترداد حقها، وما أسهل نشر الاتهام، وما أثقل انتظار التصحيح على من أصابه. ومن الشفافية أن يُعلن الكاتب خطأه بالوضوح الذي أعلن به خبره؛ فالاعتذار المستتر لا يجبر ضررًا معلنًا، وتصحيح المعلومة يحتاج إلى وصول يُوازي وصولها الأول، وفي هذه العودة احترام للمهنة وللقارئ، ودليل على ضمير يقبل التعلُّم، أما الإصرار خشيةَ فِقدانِ المكانة، فقد يحفظ هيئة الكاتب لحظةً، ولكنه يُبدّد الثقة التي بنتها أعوام. ولا تعني الموضوعية إخماد الوجدان؛ فيستطيع القلم أن يتألَّم للمظلوم، ويفرح بالإنجاز، ويدافع عن قيمة، مع التزام التثبُّت والعدل؛ فالوجدان الذي ينضج بالمعرفة يمنح الكتابة دفئها، والوعي الذي يضبط اندفاعه يمنحها قيمتها، وبينهما تنشأ كلمة تصلُ إلى القلب، وتعين العقل، وتحتفظ بقدرتها على التأثير دون أن تستعير قوتها من التحريض. وقد ينسى القارئ اسم مَن كتب، لكنه يحمل أثر كلماته إلى مجلسه وبيته وقراراته، فتتسع مسؤولية الحرف بقدر ما يُوقظ من فهم أو يُورث من أحكام في النفوس.

إن صاحب القلم يُؤتمَن على جزءٍ من وعي الناس، وأجمل ما يتركه في قارئه قدرةً أوسَعَ على الفهم، واستعدادًا أصدق للإنصاف، ويقينًا بأن الحقيقة تستحقُّ أن نبحث عنها، ولو خالفت ما نحب.

«الكلمة هي سفيرة العقل، وصورة الضمير، فمن خان كلمته فقد خان نفسه».

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.