«لك رأي ولي رأي» وبيننا ما لا يحتمل الاختلاف – مهدي آل عثمان

خلق الله الناس مختلفين في طبائعهم وأفكارهم وأذواقهم ومشاربهم، وجعل لكل إنسان شخصيته التي تميزه، وعقله الذي يفكر به، ونظرته التي يرى من خلالها الحياة. فما يعجبك قد لا يعجب غيرك، وما تراه صواباً قد يراه آخر خلاف ذلك، وما تختاره لنفسك من أسلوب حياة قد لا يتوافق مع اختيارات الآخرين. وهذا الاختلاف سنة من سنن الله في خلقه، لا ينبغي أن يكون سبباً للفرقة أو الخصومة، بل مساحة للتعارف والتفاهم والتعايش واحترام الآخر.

لك رأي ولي رأي، ولك قناعاتك ولي قناعاتي، وقد نختلف في تفسير الأحداث، وفي تقييم المواقف، وفي أساليب العمل، وفي نظرتنا إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد تتباين آراؤنا في شؤون حياتنا اليومية، وفي عاداتنا وتقاليدنا، وفي وسائل التربية والتعليم، وفي مفهوم النجاح والسعادة، بل حتى في أبسط تفاصيل الحياة. وليس من العقل أن نطالب الناس بأن يفكروا بعقل واحد، أو أن ينظروا إلى الأمور من زاوية واحدة، فالتنوع في الأفكار والتجارب والاهتمامات جزء من طبيعة المجتمعات البشرية.

والمجتمع الواعي هو الذي يستطيع إدارة هذا الاختلاف دون أن يحوله إلى خلاف، ويمنح أفراده مساحة للتعبير عن آرائهم دون تجريح أو إساءة، ويدرك أن احترام الرأي الآخر لا يعني بالضرورة الاقتناع به، كما أن التمسك بالرأي لا يمنح صاحبه الحق في الانتقاص من الآخرين. فكم من علاقة اجتماعية أفسدها التعصب للرأي، وكم من صداقة أنهتها مناقشة كان يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة واحترام متبادل.

غير أن هناك فرقاً بين اختلاف الآراء في شؤون الحياة، وبين الالتزام بالأنظمة والتعليمات التي تنظم شؤون المجتمع وتحفظ حقوق أفراده. فالناس قد يختلفون في أذواقهم وعاداتهم وتوجهاتهم الاجتماعية، وقد تتباين آراؤهم حول كثير من القضايا، لكنهم يجتمعون تحت مظلة وطن واحد، تحكمه أنظمة ومؤسسات تنظم العلاقة بين أفراده، وتحدد الحقوق والواجبات والمسؤوليات. ومن هنا، فإن اختلاف الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز النظام أو تعطيل العمل أو مخالفة التعليمات.

إن اختلاف الآراء وتنوع وجهات النظر لا يعنيان أن تصبح القرارات الإدارية والتوجيهات الرسمية أو المواقف الوطنية، محلاً للاجتهادات الشخصية أو الانتقائية في التنفيذ. فكل مسؤول أُسندت إليه مهمة في مؤسسات الدولة إنما يمارس صلاحياته وفق الأنظمة والتعليمات الصادرة من الجهات العليا، ويتحمل مسؤولية تنفيذها ومتابعة الالتزام بها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، ومن هذا المنطلق فإن احترام المسؤول والالتزام بتوجيهاته النظامية جزء من احترام مؤسسات الدولة وتنظيماتها. وفي المقابل، فإن المسؤول مؤتمن على ما أُوكل إليه، وخاضع للرقابة والمساءلة من الجهات المختصة، وفي مقدمتها هيئة الرقابة ومكافحة الفساد وأجهزة المتابعة في الوزارات والإدارات الحكومية. فليس من حق الفرد تعطيل التعليمات لمجرد اختلافه معها، كما أن الالتزام بها لا يسقط حقه في إبداء الملاحظات أو الاعتراض بالطرق النظامية. وبذلك تتكامل مسؤولية المسؤول في أداء الأمانة مع واجب الفرد في الالتزام واحترام النظام. ولعل من المهم أن ندرك أن المسؤول، أياً كان موقعه، لا يمثل رأيه الشخصي عندما يصدر توجيهاً مستنداً إلى صلاحياته النظامية، وإنما يمارس اختصاصاً أُوكل إليه لتحقيق المصلحة العامة. ومن غير المنطقي أن تتحول كل توجيهاته إلى مجال للمساومة أو الجدل أو الامتناع عن التنفيذ بحجة اختلاف القناعات. فالمؤسسات لا تُدار بالأمزجة الشخصية، ولا تستقيم الأعمال إذا أصبح كل فرد يختار من التعليمات ما يوافق رأيه ويترك ما يخالفه. إن احترام التسلسل الإداري والالتزام بالصلاحيات المحددة لكل مسؤول من الأسس التي تقوم عليها كفاءة المؤسسات وانتظام أعمالها.

وفي الوقت نفسه، لا يعني احترام المسؤول إغلاق أبواب الحوار أو الاعتقاد بأن قراراته لا تحتمل المراجعة أو التصحيح، فكل عمل بشري معرض للصواب والخطأ، والأنظمة نفسها تحدد طرق التظلم والاعتراض ومعالجة التجاوزات. غير أن الفارق كبير بين من يسلك الطريق النظامي لإبداء ملاحظاته، وبين من يجعل اختلافه مع المسؤول ذريعة لعدم التنفيذ أو التكاسل في أداء واجباته أو التشكيك في كل قرار يصدر عنه. فالأول يمارس حقاً مشروعاً، والثاني قد يسهم في إرباك العمل وتعطيل مصالح الآخرين.

وحين أقول؛ «لك رأي ولي رأي»، فإنني لا أقصد إلغاء الحوار في الشأن العام، أو مصادرة حق الإنسان في إبداء ملاحظاته حول الخدمات والقرارات والممارسات الإدارية؛ فالنقد البناء والمشورة والنصيحة من الوسائل التي تسهم في إصلاح الأخطاء وتطوير الأداء. وإنما المقصود أن يكون اختلافنا مسؤولاً، وأن نفرق بين مناقشة الوسائل والإجراءات والسياسات، وبين الالتزام بما يصدر من تعليمات نظامية واجبة التنفيذ.

ولعل من أكثر ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم ترسيخ ثقافة الحوار الواعي، خصوصاً في ظل اتساع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الآراء تتدفق من كل اتجاه، وتتنازعها التفسيرات والانطباعات والمواقف الشخصية. وقد يختلف الناس في قراءة التحولات التي تشهدها بلادنا، أو في سرعة التغيير وآثاره على حياتهم، وهذا أمر طبيعي في مجتمع يتطور وتتجدد احتياجاته. لكن المسؤولية تقتضي ألا نسمح للاختلاف بأن يتحول إلى إساءة أو قطيعة اجتماعية، أو أن نجعل من وسائل التواصل ساحات للتجريح والتشكيك في الأشخاص والمؤسسات دون بينة.

إن حب الوطن لا يعني أن نتطابق في أفكارنا، كما أن اختلافنا في تقييم أمر من الأمور لا يعني اختلافنا في أصل الانتماء إليه. ومن المهم ألا يتحول الاختلاف إلى وسيلة للمزايدة بين الناس، أو إلى معيار تُقاس به درجة وطنيتهم. فالمواطن الذي يقدم رأياً أو يطرح ملاحظة أو ينتقد قصوراً في خدمة عامة قد يكون دافعه الحرص على وطنه والرغبة في تحسين واقعه. وهذا ما أكده وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري، حين أوضح أن الدولة تميّز بين النقد البنّاء المشروع وبين التحريض والتضليل اللذين يستوجبان المساءلة وفق الأنظمة. وكذلك فإن المسؤول الذي يلتزم بتطبيق الأنظمة والتعليمات لا ينبغي أن يكون موضع خصومة لمجرد أن قراراته لا تتفق مع رغبات بعض الأفراد.

وما أحوجنا إلى أن نعلّم أبناءنا أن الاختلاف لا يفسد المودة، وأن الحرية في إبداء الرأي تقابلها مسؤولية في الكلمة، وأن احترام الأنظمة والمؤسسات ليس تقييداً للفكر، وإنما ضرورة لتنظيم الحياة وحفظ الحقوق. فبناء الأوطان مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد ومؤسسات الدولة، وتمتد إلى كل فرد يسهم في حماية مكتسبات وطنه وخدمة مجتمعه.

ويبقى لكل إنسان رأيه وقناعاته وطريقته في الحياة، وتبقى مساحة الاختلاف واسعة ما دامت محكومة بالأدب والاحترام والمسؤولية. غير أن اختلاف الآراء لا يمنح أحداً الحق في تجاوز الأنظمة أو تعطيل القرارات المشروعة أو الانتقاص من المسؤولين أثناء أدائهم واجباتهم. فليكن لك رأيك، ولي رأيي، ولنختلف في تفاصيل حياتنا كما نشاء، ولكن لندرك أن المؤسسات لا تستقيم إلا باحترام مسؤولياتها وصلاحياتها، وأن الحقوق تقابلها واجبات، وأن حرية الرأي لا تعني حرية مخالفة النظام.