كوكبة من الخير الخفي نحيا بها من أعمال جليلة وأفعال يسيرة في مجرتنا البشرية، تمتد ثمارها من الدنيا إلى الآخرة ونعي جميعاً بأن الوثاق الإنساني بيننا انعكاسي وسببي فإغلاق الدائرة القدرية لك سيكون حتماً بما بدأت به لغيرك، وكذلك تُعْطِي ليُعْطَى لك وتُيَسَّر أمر ما لتُلقى إليك المساعدة الإلهية في أزمة خانقة، فليس للأفضلية دوراً محورياً في العلاقات بل التكامل في الأدوار لأننا نتبادل الأماكن بين مانح ومحتاج. ولأن الطمأنينة أرض خصبة في واحات الأيام، نحرص أن نحط ركابنا بها، كانت النفس الكريمة هي من تزهر بساتينها بربيع العطاء الذي لاترجو منه إلاَّ رضا الله تعالى والبعد عن زقوم الرياء لأنه مهلكة كل خير، ولأن العطاء فعل ارتدادي كونه حالة نفسية يشعر بها الإنسان بالاتساع الداخلي ليس في المال فحسب بل يتفرع إلى كل الشعور المعنوي الذي نعيشه، فكلما كانت النفس ثرية داخلياً بحب الخير للناس كانت يمين العطاء أطول باعاً دون البحث عن المكاسب لأن ذلك المُعْطِي يدرك أن هناك أرباحاً لاتُرَى وأثر سيظهر لاحقاً وأن العائد الخفي سيكون ثميناً، ولعلنا نضيء الدرب بين لذة الامتلاك ولذة البذل فالأولى تحقق وتشبع رغبة شعورية وهي سريعة جداً إلاَّ أنها تحقق نشوة خاصة بالفرد، بينما لذة البذل تمتاز بالعمق والأثر البالغ وتنسجم مع الفطرة السليمة «تُعْطِي لِتُعْطَى» ويميزها ارتياح عجيب لأنه يقدم أعظم هدية للضمير الحي ، ومنذ نعومة أظفارنا نحفظ الحديث الشريف حيث قال عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مالٌ من صدقةٍ» والمنطق الحقيقي أن المال ينقص بالأخذ منه ولكن المفارقة المطمئنة في الحديث أن النقصان هو زيادة في دفع البلاء وسعة الرزق وتفريج الكرب ودفع ميتة السوء وغيرها من لبنات أساسية لبناء قصور من الحماية الربانية داخل حياتنا، ناهيك عن دور الإنسان الاجتماعي المشترك فهو يتعايش في نسيج ديني سعودي مترابط بثقافة التراحم وسلوك التكافل وتكون فيه المسؤولية ذات التزام اخلاقي نُبادر به قبل أن نشعر بألم الآخرين. وأنوّه هُنَا أنه ليس المُعْطَى له هو المحتاج وأعني به من احتاج إلى ستر زلة أو إقالة عثرة أو جبر خاطر أو وقفة لحفظ ماء الوجه بل هو من فتح باب الأجور العظيمة للمانح فلا يظن المحسن أنه صاحب الفضل الأوحد بل هناك شريك يكمل دائرة الإحسان وهو المُحْسَن إليه فينعم المانح بنفس هادئة وروح زكية ليكمل رحلته الدنيوية بكل هدوء، فألفُ سلام لمن تجاوز غرور الأنا واعتلى حصونها الى ساحات الشعور الجمعي ومراعاة الآخرين والبحث عن المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافاً ،واهتدى إلى تهذيب النفس بألاَّ يكون أسيراً لما يمتلك بل يحرر محيطه من ذمائم الشح بالقفز من الامتلاك إلى الإنفاق والبعد عن التقاط الصور وتصفيق الحاضرين، لأن مواطن الإخلاص في العمل والرحمة في التعامل هو الهدف النبيل. ولأن قيمة الإنسان ليست بما يمتلك بل بما يضيفه إلى الورى فليس كل ما يبدو خسارة في القيمة المادية أو الزمنية هو خسارة فعلية بل هو ربح عظيم في صحيفة الانسان وقادم أيامه.