أظن أن الكرسي ليس مجرد جماد من خشب أو حديد أو بلاستيك، بل أزعم أنه يمتلك روحًا تندس خلسة في حياتنا، فتغدو جزءًا من ذاكرتنا المنسية. ويبدو أن مصير الإنسان وصيرورة حياته مرتبطان بالمقاعد؛ يبدأ الواحد منا حياته بجلوسه على مقاعد الدراسة، سواء بالتخصيص أو الاستيلاء، مرورًا بمقاعد الوظيفة، ومن ثم بالمقعد الهزاز!
مقعد المدرسة هو أول مقعد رسمي خصصته الوزارة للتلميذ، وهو مقعد خشبي مزدوج، تلتصق جهة منه بالجدار، وتطل الجهة الأخرى على الممر. وهذا المقعد هو عالم الطفل الخاص؛ يتعلم على سطحه حروفه الأولى، ويخبئ في أدراجه حقيبته وأشياءه وأسراره الصغيرة.
من خلال هذا المقعد الصغير، تعرّف إلى زملاء وأصدقاء ما زال حتى الآن يلتقي بعضهم، ويتابع مسيرة عمل الآخرين؛ منهم من تقلد أعلى المناصب، ومنهم من حقق نجاحات مهنية في مجاله، ومنهم من انتكست به ظروف حياته واستسلم لفشله، ومنهم من ودّع الحياة في سن مبكرة. وفي كل مرة يلتقي واحدًا منهم، يبدأ حديثهما عن ذلك المقعد الذي جمعهما لأول مرة.
ما زال الطالب يتذكر الكيفية التي كان يتم بها توزيع التلاميذ على مقاعد الدراسة؛ فقصار القامة ومتوسطوها يجلسون في المقاعد الأولى، وطوال القامة في المقاعد الخلفية. وهناك سبب آخر للتوزيع، هو أن يختار المدرس الطلبة «الشطار» للمقاعد الأولى، ليفاخر بهم أمام مفتشي الوزارة، ويعطيهم انطباعًا بأن أداء التلاميذ عالٍ جدًا!
وكان أصحاب المقاعد الأولى يدفعون ثمن اجتهادهم، وربما ثمن صغر أعمارهم وقصر قاماتهم، لأولئك الجالسين خلفهم؛ إذ إن عليهم أن يشركوهم في واجباتهم اليومية وأدواتهم المدرسية. وعادة ما يأتي «عريف الفصل» من تلك الجماعة الخلفية، فكانوا يتحكمون في رقاب التلاميذ، الذين كانوا واقعين تحت رحمتهم، فيسعون إلى إرضائهم وتجنب غضبهم، تفاديًا لعنفهم أو الوشاية بهم!
أما الكرسي المخصص للأستاذ في مقدمة الفصل، فلا يخلو هو الآخر من المفارقات؛ فربما حاك الأستاذ لطلابه مقلبًا، وهو جالس على كرسيه يراقبهم وهم يؤدون الامتحان، من خلال ثقب أحدثه في الجريدة وهو يتظاهر بتصفحها، بينما يتاح له اكتشاف أيّ التلاميذ ينقل من زميله أو من الدفتر ليجيب عن الأسئلة!
أو ذلك الأستاذ الذي طالما استغرب التلاميذ منظر كرسيه الفارغ؛ لأن الأستاذ «السمين»، قوي البنية ذا الشارب الكث، لم يكن يقتعد كرسيه، وكان يفضل أن يلقي دروسه وهو يطوف في أرجاء الفصل. وكان الطلبة كثيرًا ما ينقلون أبصارهم بين الكرسي الفارغ وجسم الأستاذ المكتنز، متسائلين عما إذا كان عدم التناسب بينهما هو السبب في بقاء الأستاذ واقفًا طوال الحصة!
كان الكرسي الثاني في مسيرة حياة ذلك الطالب هو كرسي الوظيفة؛ إذ ربما حمله قدره إلى العمل في غرفة منزوية في مبنى لإدارة تضم بضعة موظفين، وخصص له مكتب مكون من طاولة وكرسي متحرك، لا يختلف كثيرًا عن كرسي المدرسة إلا في حركته وجلسته المريحة. وكان لهذه الإدارة «مدير» لا يختلف أيضًا عن عريف الفصل في السلطة والاستيلاء على أعمال الموظفين ونسبتها إليه!
وعلى هذا الكرسي، شهد كيف يمارس بعض الموظفين تسلطهم بدورهم على المراجعين، الذين ينظرون إليهم بعين العطف والرجاء لإنهاء معاملاتهم وعدم تأخيرها.
في هذا المكتب، بدأ رحلة أخرى من ملحمة الكراسي؛ فقد تعرّف من خلاله إلى المتزلفين والمنافقين، كما تعرّف، في المقابل، إلى المخلصين والحريصين على مصالح البلاد والعباد.
كما شاهد في مسيرته الوظيفية الطويلة معارك وغزوات من أجل نيل الكراسي العالية المقام. إنها «غزوة الكراسي»؛ فكان صاحب الكرسي الصغير يسعى إلى الحصول على الكرسي الكبير، وصاحب الكبير إلى الأكبر.. معارك وغزوات حُشد لها القريب والبعيد، واستُخدمت فيها كل الوسائل والطرق.
وآخر ما شاهده صاحبنا من الكراسي كان عند زيارته لقريب في «مستشفى العجزة»؛ رجال كانوا يذرعون الأرض طولًا وعرضًا، فإذا بهم مقعدون على كراسي متحركة، يدفعونها بأنفسهم أو بمساعدة آخرين.
وهناك، بالمصادفة، وقعت عينه على أول عريف فصل التقاه في سنيّ دراسته الأولى. شاهده يتحرك ببطء على مقعد كهربائي. هذا الرقيب ذو الجسم الرياضي آنذاك، والذي أصبح فيما بعد نجمًا مشهورًا في أحد مجالات الرياضة، كان ينظر إليه الآن بعينين مستعطفتين حين عرف زميله، كأنه يطلب منه الصفح عن قسوته ووشاياته بزملائه في تلك الأيام!
لم يتمالك صاحبنا نفسه، فانحنى وقبّل رأس العريف، وقال له: «كنت أعتقد، يا صاحبي، أنك أقوى من قابلت في حياتي، لكنني اكتشفت الآن أن جبروت الكراسي أقوى مني ومنك!».
وختامًا، ففي تجربة الشاعر الكردي «شيركو بيكس»، يتجلى الرمز بصورة أوسع من خلال ديوانه «الكرسي»، الذي يجعل من الكرسي محورًا لحكاية شعرية طويلة. والمثير في هذا العمل أن الكرسي لا يبدأ كرسيًا في الأصل، بل يبدأ شجرة، ثم يتحول الخشب إلى أشكال متعددة: عصا، وسرير، ومجداف، ونافذة، وطاولة، وخشبة مسرح.. وهكذا، يبدو الكرسي كائنًا يحمل على عاتقه تاريخ البشر في شتى مراحل حياتهم!
أظن أن الكرسي ليس مجرد جماد من خشب أو حديد أو بلاستيك، بل أزعم أنه يمتلك روحًا تندس خلسة في حياتنا، فتغدو جزءًا من ذاكرتنا المنسية. ويبدو أن مصير الإنسان وصيرورة حياته مرتبطان بالمقاعد؛ يبدأ الواحد منا حياته بجلوسه على مقاعد الدراسة، سواء بالتخصيص أو الاستيلاء، مرورًا بمقاعد الوظيفة، ومن ثم بالمقعد الهزاز!
مقعد المدرسة هو أول مقعد رسمي خصصته الوزارة للتلميذ، وهو مقعد خشبي مزدوج، تلتصق جهة منه بالجدار، وتطل الجهة الأخرى على الممر. وهذا المقعد هو عالم الطفل الخاص؛ يتعلم على سطحه حروفه الأولى، ويخبئ في أدراجه حقيبته وأشياءه وأسراره الصغيرة.
من خلال هذا المقعد الصغير، تعرّف إلى زملاء وأصدقاء ما زال حتى الآن يلتقي بعضهم، ويتابع مسيرة عمل الآخرين؛ منهم من تقلد أعلى المناصب، ومنهم من حقق نجاحات مهنية في مجاله، ومنهم من انتكست به ظروف حياته واستسلم لفشله، ومنهم من ودّع الحياة في سن مبكرة. وفي كل مرة يلتقي واحدًا منهم، يبدأ حديثهما عن ذلك المقعد الذي جمعهما لأول مرة.
ما زال الطالب يتذكر الكيفية التي كان يتم بها توزيع التلاميذ على مقاعد الدراسة؛ فقصار القامة ومتوسطوها يجلسون في المقاعد الأولى، وطوال القامة في المقاعد الخلفية. وهناك سبب آخر للتوزيع، هو أن يختار المدرس الطلبة «الشطار» للمقاعد الأولى، ليفاخر بهم أمام مفتشي الوزارة، ويعطيهم انطباعًا بأن أداء التلاميذ عالٍ جدًا!
وكان أصحاب المقاعد الأولى يدفعون ثمن اجتهادهم، وربما ثمن صغر أعمارهم وقصر قاماتهم، لأولئك الجالسين خلفهم؛ إذ إن عليهم أن يشركوهم في واجباتهم اليومية وأدواتهم المدرسية. وعادة ما يأتي «عريف الفصل» من تلك الجماعة الخلفية، فكانوا يتحكمون في رقاب التلاميذ، الذين كانوا واقعين تحت رحمتهم، فيسعون إلى إرضائهم وتجنب غضبهم، تفاديًا لعنفهم أو الوشاية بهم!
أما الكرسي المخصص للأستاذ في مقدمة الفصل، فلا يخلو هو الآخر من المفارقات؛ فربما حاك الأستاذ لطلابه مقلبًا، وهو جالس على كرسيه يراقبهم وهم يؤدون الامتحان، من خلال ثقب أحدثه في الجريدة وهو يتظاهر بتصفحها، بينما يتاح له اكتشاف أيّ التلاميذ ينقل من زميله أو من الدفتر ليجيب عن الأسئلة!