لدينا فرصة لتجديد استراتيجيات التعلم – د.شريف بن محمد الأتربي

هل نستثمر التعليم عن بُعد لننتقل من التلقين إلى الابتكار، أم نُبقي على التعلّم الفصلي التقليدي بأدوات جديدة؟

في ظل الظروف الراهنة، ومع استمرار التعليم عن بُعد كلما اقتضت الظروف، يبرز أمامنا سؤال يتجاوز كيفية استمرار الدراسة إلى جوهر العملية التعليمية نفسها. فلدينا فرصة لتجديد إستراتيجيات التعلّم، وإعادة النظر في طرائق التدريس، واستثمار قدرات الطلبة والطالبات في فهم المشكلات التي يواجهها وطنهم والمشاركة في ابتكار الحلول لها.

إن المحافظة على استمرارية التعليم ضرورة، لكن الأهم ألا تتحول التقنية إلى وسيلة لنقل الممارسات التقليدية من الفصل إلى الشاشة، دون تغيير حقيقي في تجربة التعلّم أو دور الطالب فيها.

لم تكن التقنية وحدها ثورة في التعليم يومًا. فالمحاضرة التي تُلقى عبر منصة رقمية تبقى محاضرة، والواجب الذي يُرفع إلكترونيًا يبقى أسير التلقين إذا اقتصر على استرجاع المعلومات دون توظيفها.

ما فعلناه في كثير من الأحيان أننا نقلنا التلقين بجودة أعلى: صوت أوضح، وشرائح أجمل، وطالب أكثر صمتًا.

لكن التعليم عن بُعد يتيح فرصًا يمكن استثمارها بصورة مختلفة؛ فالطالب يستطيع البحث، وجمع البيانات، وإجراء المقابلات، وتصميم النماذج، والتعاون مع زملائه، ثم عرض النتائج ومناقشتها. وهنا تتجاوز التقنية دورها بوصفها قناة لنقل المعرفة، لتصبح أداة تتيح للطالب ممارسة التعلّم والاكتشاف والإبداع.

ولا يحدث هذا التحول تلقائيًا بمجرد استخدام المنصات، بل يبدأ عندما نعيد تصميم الدرس نفسه، فننتقل من سؤال: ماذا يجب أن يحفظ الطالب؟ إلى سؤال آخر: ماذا يستطيع أن يفعل بما تعلّمه؟

لنتخيل درسًا عن ترشيد المياه. في صورته التقليدية، يتعرّف الطالب على المفاهيم، ويحفظ المعلومات، ثم يجيب عن أسئلة الاختبار. أما في التعلّم القائم على الابتكار، فيبدأ الدرس بسؤال: كيف يمكننا خفض استهلاك المياه في منازلنا؟

يجمع الطلاب بيانات مناسبة عن الاستهلاك، ويحللونها باستخدام مهارات الرياضيات، ويتعرفون على مصادر المياه وتحدياتها، ثم يصممون رسائل توعوية أو يقترحون حلولًا عملية قابلة للتجربة والتقييم.

هكذا يمكن لمشكلة واحدة أن تربط العلوم بالرياضيات واللغة والتقنية، وأن تمنح الطالب فرصة لفهم العلاقة بين ما يتعلمه وما يعيشه. والأهم أنه لا يكتفي بمعرفة أهمية ترشيد المياه، بل يتدرب على دراسة المشكلة، وتحليل أسبابها، وتقييم البدائل، والدفاع عن الحل الذي يقترحه.

ويمكن تطبيق الفكرة نفسها على مشكلات أخرى، مثل الهدر الغذائي، وترشيد الطاقة، والسلامة الرقمية، وتحسين الخدمات المجتمعية، مع مراعاة عمر الطالب وقدراته وإمكاناته.

ولا يعني ذلك أن يتحول كل درس إلى مشروع، أو أن نتخلى عن الشرح المباشر حين يكون مناسبًا، بل أن نمنح الطلاب فرصًا منتظمة لتطبيق المعرفة، والتفكير المستقل، والتعاون في حل المشكلات.

التحدي الحقيقي هو أن يصبح الابتكار جزءًا من تجربة التعلّم اليومية، لا نشاطًا يقتصر على الموهوبين أو المشاركين في المسابقات والبرامج المتخصصة.

نُكثر الحديث عن تحمّل المسؤولية في الإذاعة المدرسية وكلمات الصباح، ثم قد نترك للطالب مساحة محدودة للمشاركة في اتخاذ القرار أو اقتراح الحلول. فكيف ننتظر منه المبادرة إذا كانت معظم تجاربه التعليمية تقوم على انتظار التعليمات وتنفيذها؟

المسؤولية لا تُكتسب بالمواعظ وحدها، بل بالممارسة. حين يدرس الطالب مشكلة تتعلق ببيئته، أو يشارك في الحد من الهدر في مدرسته، أو يعمل مع زملائه على اقتراح حل لازدحام بوابة المدرسة، فإنه يتعلم كيف يجمع المعلومات، ويحترم وجهات النظر المختلفة، ويتحمل مسؤولية دوره، ويدرك أن أفكاره قد تسهم في تحسين الواقع.

إن إشراك الطلبة والطالبات مبكرًا في التفكير في التحديات التي يواجهها وطنهم لا يعني تحميلهم مسؤوليات تفوق أعمارهم، بل تنمية شعورهم بأنهم جزء من المجتمع، وأن المشاركة في تطويره تبدأ بالفهم والسؤال والمبادرة والعمل الجماعي.

ويتسق هذا التوجه مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية في تطوير قدرات الإنسان ومهاراته وتعزيز مشاركته في التنمية.

فالطالب الذي يتعلم في سنواته الدراسية الأولى كيف يدرس مشكلة تخص حيّه، ويقترح لها حلًا، ويعمل مع الآخرين على اختباره، يكتسب بذور المبادرة والمسؤولية التي يمكن أن ترافقه إلى الجامعة وسوق العمل والحياة العامة.

يبدأ التحول من المعلم، لا بوصفه ناقلًا للمعرفة فحسب، بل مصممًا لتجارب التعلّم وميسرًا لها. غير أن مطالبة المعلم بالابتكار لا تكفي ما لم يُمكّن من أدواته، ويُمنح التدريب والوقت والمساحة المهنية اللازمة لتطبيقه.

وهنا يأتي دور المشرف التربوي في تقديم الدعم العملي، ومشاركة النماذج الناجحة، ومساعدة المعلمين والمعلمات على تصميم أنشطة قائمة على المشكلات، وتطوير أساليب إدارة التعلم التعاوني، والاستفادة من الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة.

كما تقع على قائد المدرسة ووكيلها للشؤون التعليمية مسؤولية تهيئة البيئة المدرسية الداعمة، وتنظيم جهود التطوير، ومتابعة تنفيذ الأنشطة، ورصد الصعوبات التي تواجه المعلمين والطلاب، والعمل على معالجتها.

ولا ينبغي أن تقتصر المتابعة على التأكد من انتظام الحصص والدخول إلى المنصات وإنجاز الواجبات؛ بل يجب أن تمتد إلى متابعة مشاركة الطلاب، وجودة أسئلتهم، وتقدم مشروعاتهم، وقدرتهم على تحليل المشكلات وتقديم حلول قابلة للتفسير والتطوير.

فالابتكار لا يحتاج إلى معلم متحمس فحسب، بل إلى منظومة تعليمية تمكّنه، وقيادة مدرسية تدعمه، وإشراف تربوي يطوّر ممارساته ويقيس أثرها.

ما نقيسه في التعليم يوجّه ما يتعلمه الطالب. فإذا ظلت الاختبارات تكافئ الحفظ والاسترجاع وحدهما، فسيبقى التلقين حاضرًا مهما تغيرت أدوات التدريس.

لذلك نحتاج إلى تقويم يوازن بين اكتساب المعارف الأساسية والقدرة على توظيفها، ويستفيد من المشروعات وملفات الإنجاز والعروض والمناقشات، ويتيح للطالب تفسير الحل الذي توصل إليه والدفاع عن اختياراته والاستفادة من التغذية الراجعة.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن الاختبارات، بل استكمالها بأدوات تكشف جوانب أخرى من التعلم، مثل التفكير النقدي، والإبداع، والتعاون، والمبادرة، والقدرة على نقل المعرفة من موقف إلى آخر.

كما ينبغي أن تكون المتابعة مستمرة، بحيث تكشف فجوات التعلم مبكرًا، وتساعد المعلم على التدخل في الوقت المناسب، مع مراعاة تفاوت ظروف الطلاب وإمكاناتهم في الوصول إلى الأجهزة والاتصال بالإنترنت، وتوفير بدائل عادلة تضمن فرص المشاركة للجميع.

أما الأسرة، فهي شريك مهم في هذه التجربة؛ إذ تستطيع دعم أبنائها في البحث والملاحظة، ومناقشة أفكارهم، وتشجيعهم على الاستقلالية، دون أن تتولى تنفيذ المشروعات نيابة عنهم.

إن الظروف التي تتغير فيها أدوات التعليم وأنظمته تتيح فرصة لإعادة النظر في الممارسات التي اعتدناها، لكنها لا تضمن وحدها حدوث التطوير. فالتحول الحقيقي لا يقاس بعدد المنصات المستخدمة أو الحصص المنفذة، بل بما يكتسبه الطالب من معرفة ومهارات، وبقدرته على التفكير والتطبيق والمشاركة وتحمل المسؤولية.