كان الليل قد بلغ آخره، والرياض ساكنة تحت ظُلمته، والملك عبدالعزيز -رحمه الله- ورجاله في مخبئهم القريب من حصن المصمك، لم تكن تفصلهم عن اللحظة التي جاؤوا من أجلها إلا ساعات قليلة، لكن الساعات التي تسبق الخطر ليست كالساعات التي يكون فيها الإنسان داخل الخطر، ففي المعركة ينشغل الإنسان بالفعل؛ يتحرك ويواجه ويدافع، أما قبلها حين يكون كل شيء قد أُعد ولا يبقى إلا الانتظار، فإن النفس تجد أمامها متسعاً من الوقت لأسئلة كثيرة، ولا تملك إجابة عن أيٍّ منها.
ويُنقل عن الأمير عبدالله الفيصل -رحمه الله- في لقاء تلفزيوني أن الملك عبدالعزيز ورجاله، بعد أن تسلَّلوا إلى بيت عجلان، وفي انتظار خروجه من حصن المصمك، أخذوا شيئًا من الطحين، فعجنوه وصنعوا منه قرصًا، ثم قال لهم الملك عبدالعزيز: « كلوا فهذا القرص إما فال خير عليكم أو حنوطكم»، لم تكن الكلمات كثيرة، لكنها وضعت الحقيقة كاملة أمامهم، كان الموت احتمالًا، والنصر احتمالًا، ولم يكن أحد منهم يعلم أيهما كتب الله له، فهم يأكلون ولا يعرفون أي الاحتمالين ينتظرهم، ولم تكن أهمية تلك اللقمة في أنها تسد الجوع وتقوِّي الأجساد فحسب، وإنما في المعنى الذي حملته كلمات الملك عبدالعزيز عن ذلك القرص؛ لقمة يأكلها الرجل وهو يعلم أنها قد تكون آخر ما يدخل جوفه في هذه الدنيا، أو أول زاد في طريق نصر عظيم، وبعد أن انتهوا من الطعام، بدأت ساعات الانتظار لم يعد هناك ما يمكن فعله. أخذوا بالأسباب، واتخذوا مواقعهم، وبقيت اللحظة التي ينتظرونها، والانتظار في مثل هذه الظروف ليس فراغًا في الزمن؛ إنه زمن تمتلئ فيه النفس بكل شيء، قد يفكر الإنسان في النجاح، ثم يعود فيفكر في الفشل، قد يستحضر ما ينتظره، ويحاول أن يصرف نفسه عن التفكير، لكن الصمت من حوله يعيده إلى ما حاول أن يهرب منه، لم تكن شجاعة الملك عبدالعزيز في تلك اللحظة أن الخوف لم يعرف طريقاً إلى قلبه فقط، بل وعيًا كاملًا بحجم الخطر، وإرادة لا تتراجع أمامه؛ شجاعة رجل رأى الموت قريبًا، فلم يزده ذلك إلا ثباتًا وإقدامًا، وكأنه يتمثَّل قول جدّه الإمام تركي بن عبدالله رحمه الله عندما قال:
وهكذا تمر الدقائق؛ دقيقة تقترب بهم من النصر، ودقيقة تقترب بهم من الموت، ثم مضى الوقت ثقيلًا، لكن الليل، مهما طال، لا بد أن ينجلي، فبدأ الظلام يتراجع، وظهرت تباشير الفجر، وهنا انتهى زمن الانتظار، وبعد قليل سيعرف الرجال مصيرهم؛ إما أن يدخلوا الرياض، وإما أن تنتهي الرحلة التي بدأت بهذا العدد القليل من الرجال، ثم خرج عجلان من الحصن، وانكسر السكون، تحول الانتظار إلى فعل، وانفجر الصمت بصليل السيوف وصوت الرصاص، يقول الأمير خالد الفيصل:
اشتد القتال، ثم فُتح باب الحصن، ودخل الملك عبدالعزيز ورجاله، ونادى المنادي «أن الحكم لله ثم لعبدالعزيز ابن سعود»، هناك فقط اتضح معنى تلك اللقمة التي أكلوها قبل الفجر، لم تكن حنوطهم، بل كانت فال خير. ودخل الملك عبدالعزيز الرياض، وبدأ منذ تلك اللحظة طريق طويل نحو توحيد البلاد. لكن ما تبقى في الذاكرة ليس القتال والنصر والفتح واسترداد حكم الآباء والأجداد فقط، بل تبقى أيضًا تلك الساعات التي سبقته؛ حين كان الرجال في الظلام، وحصن المصمك أمامهم، القرص قد أكلوه، والمصير لم يُكشف لهم بعد، هناك في المسافة القصيرة بين آخر لقمة وأول ضربة، كانت لحظة إنسانية ثقيلة.
ومهما حاولنا أن نحلّل تلك الساعات أو نتصور كيف مرت على الملك عبدالعزيز ورجاله، لن نستطيع أن نبلغ حقيقة ما كان يعتمل في نفوسهم. فثمة مواقف لا يليق بنا أن نفسِّرها من بعيد، ولا أن نزعم الإحاطة بمشاعر أصحابها؛ احترامًا لعظمة ما عاشوه، وإجلالًا لشجاعة رجال كانت تفصلهم عن مصيرهم ساعات لا نعرف كيف مرت عليهم، ومع ذلك جلسوا، أكلوا، وانتظروا. ثم جاء الفجر. وانتهى الانتظار. وبدأت المعركة. وبقي القرص الصغير الذي صنعوه من الدقيق شاهدًا على ليلة لم يكن أحد منهم يعلم، وهو يضع اللقمة في فمه، أنها ستبقى في ذاكرة التاريخ، أكلوه وهم لا يعرفون هل يودعون الدنيا أم يستقبلون النصر، فكتب الله لهم الحياة، وكتب للرياض أن تُستعاد.
رحم الله الملك عبدالعزيز ورجاله وأسكنهم فسيح جناته.
كان الليل قد بلغ آخره، والرياض ساكنة تحت ظُلمته، والملك عبدالعزيز -رحمه الله- ورجاله في مخبئهم القريب من حصن المصمك، لم تكن تفصلهم عن اللحظة التي جاؤوا من أجلها إلا ساعات قليلة، لكن الساعات التي تسبق الخطر ليست كالساعات التي يكون فيها الإنسان داخل الخطر، ففي المعركة ينشغل الإنسان بالفعل؛ يتحرك ويواجه ويدافع، أما قبلها حين يكون كل شيء قد أُعد ولا يبقى إلا الانتظار، فإن النفس تجد أمامها متسعاً من الوقت لأسئلة كثيرة، ولا تملك إجابة عن أيٍّ منها.
ويُنقل عن الأمير عبدالله الفيصل -رحمه الله- في لقاء تلفزيوني أن الملك عبدالعزيز ورجاله، بعد أن تسلَّلوا إلى بيت عجلان، وفي انتظار خروجه من حصن المصمك، أخذوا شيئًا من الطحين، فعجنوه وصنعوا منه قرصًا، ثم قال لهم الملك عبدالعزيز: « كلوا فهذا القرص إما فال خير عليكم أو حنوطكم»، لم تكن الكلمات كثيرة، لكنها وضعت الحقيقة كاملة أمامهم، كان الموت احتمالًا، والنصر احتمالًا، ولم يكن أحد منهم يعلم أيهما كتب الله له، فهم يأكلون ولا يعرفون أي الاحتمالين ينتظرهم، ولم تكن أهمية تلك اللقمة في أنها تسد الجوع وتقوِّي الأجساد فحسب، وإنما في المعنى الذي حملته كلمات الملك عبدالعزيز عن ذلك القرص؛ لقمة يأكلها الرجل وهو يعلم أنها قد تكون آخر ما يدخل جوفه في هذه الدنيا، أو أول زاد في طريق نصر عظيم، وبعد أن انتهوا من الطعام، بدأت ساعات الانتظار لم يعد هناك ما يمكن فعله. أخذوا بالأسباب، واتخذوا مواقعهم، وبقيت اللحظة التي ينتظرونها، والانتظار في مثل هذه الظروف ليس فراغًا في الزمن؛ إنه زمن تمتلئ فيه النفس بكل شيء، قد يفكر الإنسان في النجاح، ثم يعود فيفكر في الفشل، قد يستحضر ما ينتظره، ويحاول أن يصرف نفسه عن التفكير، لكن الصمت من حوله يعيده إلى ما حاول أن يهرب منه، لم تكن شجاعة الملك عبدالعزيز في تلك اللحظة أن الخوف لم يعرف طريقاً إلى قلبه فقط، بل وعيًا كاملًا بحجم الخطر، وإرادة لا تتراجع أمامه؛ شجاعة رجل رأى الموت قريبًا، فلم يزده ذلك إلا ثباتًا وإقدامًا، وكأنه يتمثَّل قول جدّه الإمام تركي بن عبدالله رحمه الله عندما قال:
وهكذا تمر الدقائق؛ دقيقة تقترب بهم من النصر، ودقيقة تقترب بهم من الموت، ثم مضى الوقت ثقيلًا، لكن الليل، مهما طال، لا بد أن ينجلي، فبدأ الظلام يتراجع، وظهرت تباشير الفجر، وهنا انتهى زمن الانتظار، وبعد قليل سيعرف الرجال مصيرهم؛ إما أن يدخلوا الرياض، وإما أن تنتهي الرحلة التي بدأت بهذا العدد القليل من الرجال، ثم خرج عجلان من الحصن، وانكسر السكون، تحول الانتظار إلى فعل، وانفجر الصمت بصليل السيوف وصوت الرصاص، يقول الأمير خالد الفيصل: