لبنان الذي يعيش على وقع الأخبار

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

في لبنان، لا يحتاج المرء إلى أن يبحث عن السياسة، بل يكفيه أن يفتح هاتفه. خبر عاجل، تصريح، فيديو قصير، تعليق، ثم خبر يناقضه أو يضيف إليه. هكذا يبدأ يوم كثير من اللبنانيين، وهكذا قد ينتهي أيضاً، فيما تبقى السياسة حاضرة بين فنجان القهوة ورسالة العمل وحديث العائلة.لم تعد متابعة الأخبار السياسية موعداً ثابتاً أمام شاشة التلفزيون أو صفحات الجرائد. الهاتف اختصر المسافة بين الحدث والمواطن إلى ثوانٍ. ومع كل تطور، تتسابق الأخبار والتحليلات والتعليقات على الوصول إلى الشاشة، قبل أن تتضح أحياناً الصورة كاملة.في بلد تتداخل فيه السياسة مع تفاصيل الحياة اليومية، يصعب أن تبقى الأحداث السياسية بعيدة عن الناس. قرار سياسي قد ينعكس على الاقتصاد، تطور أمني قد يغيّر خطط السفر، وموقف رسمي قد يصبح حديثاً في المنزل أو مكان العمل. حتى من لا يعتبر نفسه مهتماً بالسياسة يجد نفسه أحياناً يتابعها لأن نتائجها تمس حياته بطريقة أو بأخرى.لكن المشهد تغيّر أيضاً مع صعود وسائل التواصل. فبحسب بيانات “DataReportal” لعام 2026، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في لبنان نحو 5.38 ملايين في أواخر عام 2025، فيما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 4.58 ملايين. وعلى المستوى العالمي، أظهر “Digital News Report 2026” ، الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة أن شبكات التواصل ومنصات الفيديو أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للوصول إلى الأخبار.المشكلة ليست في كثرة الأخبار بحد ذاتها، بل في السرعة التي تصل بها. قد يصل عنوان قبل التفاصيل، ومقطع مجتزأ قبل السياق، وتعليق شخصي قبل التحقق من المعلومة. وفي دقائق، يتحول حدث واحد إلى عشرات الروايات، ويصبح على المتلقي أن يقرر بنفسه ما الذي يستحق التصديق والمتابعة.وهنا تظهر مفارقة لبنانية لافتة: نتابع الأخبار كي نفهم ما يحدث، لكن كثرتها قد تجعل الصورة أكثر ازدحاماً لا أكثر وضوحاً. نبحث عن المعلومة تطمئننا، فنجد عشرات التفسيرات. نغلق الهاتف لنبتعد قليلاً، ثم نعود إليه خشية أن يفوتنا تطور جديد.في المقابل، هناك من اختار الابتعاد. يغلق التطبيقات، يتجنب نشرات الأخبار، أو يقرر ألا يدخل في النقاشات السياسية. لكن الابتعاد الكامل ليس سهلاً دائماً، فالخبر قد يصل عبر رسالة من قريب، أو حديث في العمل، أو فيديو يظهر فجأة على الشاشة.ربما لهذا لم تعد السياسة في لبنان مجرد شأن عام يُناقش في البرامج والنشرات. أصبحت جزءاً من إيقاع الحياة اليومية، حاضرة في الهاتف، في الطريق، في المقاهي والبيوت، وفي الأسئلة الصغيرة التي ترافق الناس من يوم إلى آخر.فهل يتابع اللبناني الأخبار لأنه يريد أن يعرف ما يحدث، أم لأن ما يحدث لم يعد يترك له خياراً بألا يعرف؟