ليست المروءة دعوى تتأنق بها الألسنة، ولا شارة مجد يتقلدها الرجال، ولا مفخرة تتباهى بها الأنساب؛ وإنما هي جوهر تستبين نفاسته عند الابتلاء، ومعدن تنكشف حقيقته عند المقدرة، وخلق لا يكتمل بهاؤه حتى يأمن في ظلاله الضعيف، ويطمئن في كنفه القريب، ويجد فيه صاحب الحق من العدل ما يعصمه من المهانة، ومن الرحمة ما يجبر خاطره، ومن النبل ما يصون كرامته. وإن من أصدق الموازين التي تعرف بها معادن الرجال، وأبلغ الشواهد التي تميز بها كرائم النفوس من لئامها، ما يكون من صنيع الرجل مع المرأة؛ حين تغيب أعين الرقباء، وتسقط اعتبارات المجاملة، وينفرد بسلطان الكلمة والموقف، فلا يحول بينه وبين الجور إلا وازع الدين، ولا يردعه عن القسوة إلا شرف المروءة. هنالك تتجلى حقيقة الرجل، لا في صولة يظهرها، ولا في هيبة يستعيرها، ولا في فصاحة يبهر بها المجالس، وإنما في قلب يتسع للرحمة حين تضيق النفوس، ولسان يتعفف عن الجراح حين يحتدم الخلاف، ونفس تملك القدرة على الأذى فتترفع عنه ابتغاء مرضاة الله. وقد جرت على الألسنة حكمة بليغة، استوعبت من دقائق المعاني ما تعجز عنه مطولات الخطب: «لا يكرمهن إلا كريم، ولا يهينهن إلا لئيم». وهي عبارة مشهورة تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت إسنادها إليه ثبوتا يسوغ الجزم بنسبتها، غير أن معناها في الجملة مما تشهد له محاسن الشريعة، ومكارم الأخلاق، وصريح الوصايا النبوية بالإحسان إلى النساء. وما أبلغ هذا المعنى حين يستنطق في ضوء الوحي، ويعرض على هدي النبوة، وتستجلى منه حقيقة الرجولة التي أرادها الإسلام: رجولة لا تستمد عزتها من امتهان الآخرين، ولا تستكمل سلطانها بانكسار القلوب، ولا ترى في الرحمة وهنا، ولا في الحلم منقصة، ولا في الإنصاف انتقاصا من الهيبة. فإن النفوس الشريفة لا تستطيل على من تأمن جانبهم، ولا تتخذ من المحبة ذريعة للاستبداد، ولا من القوامة سبيلا إلى الإذلال، ولا من العشرة رخصة في التجاوز. وما أهون الرجل حين لا يجد لإثبات قوته سبيلا إلا أن يضعف امرأة، وما أعظمه حين تبلغ به القدرة منتهاها، ثم تقف به التقوى عند حدود الله! في ذلك الموقف المهيب من حجة الوداع، حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع في ضمير الأمة وصاياه الخالدة، ويقرر من معالم العدل ما يبقى حجة على الأجيال، صدع بكلمات ينبغي أن تستقر في أعماق كل من استرعي حق امرأة: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتمون بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله». رواه مسلم. يا لجلال هذه الوصية، ويا لعظمة ما انطوت عليه من تبعات! لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم صيانة المرأة مرهونة برضا المجتمع، ولا بحسن السمعة، ولا بخوف الفضيحة، وإنما ردها إلى أعظم رادع تستقيم به السرائر: تقوى الله. «فاتقوا الله في النساء»؛ لأن وراء الأبواب المغلقة حقوقا لا يشهد انتهاكها الناس، وأنات لا تبلغ أسماعهم، ودموعا تنحدر في صمت لا يعلم مداها إلا الله. قد تغالب المرأة عبرتها كيلا يراها صغارها، وقد تواري انكسارها خلف ابتسامة متكلفة، وقد تستر من جراحها ما لو نطقت به لأوجع السامعين، غير أن الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور لا تخفى عليه زفرة المقهور، ولا تنقطع عنه شكوى المظلوم. وكم من امرأة استنفدت وسعها في التماس العذر، واستفرغت صبرها في حفظ العشرة، حتى إذا ضاقت بها مسالك البوح، لم تجد إلا سجادة تبسط عليها حزنها، وربا ترفع إليه نجواها! فليخش الظالم أن يكون اسمه حاضرا في دعوة تنطلق من قلب كسير، لا يحول بينها وبين الله حجاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». متفق عليه. فأي فوز لرجل غلب امرأة بسلطان زائل، ثم وقف يوم القيامة خصيما لها بين يدي سلطان لا يزول؟ وإذا أردت أن تبصر جلال المرأة في أسمى مشاهد البذل، فتأمل الأم. تلك التي ابتدأت رحلتك في أحشائها، فاقتسمت معك قوتها، ووهبتك من عافيتها، وحملتك في موطن الضعف حملا تنوء به الأجساد، ثم استقبلت بك الدنيا بين مخاض الألم وابتهاج الرحمة. كم ليلة صافحت فيها جفونها السهاد كي تستريح عيناك، وكم وجع كتمته كيلا يطرق الخوف قلبك، وكم أمنية أرجأتها ليكتمل لك من الأماني ما لم يكتمل لها! كانت ترى في ابتسامتك عيدا، وفي عافيتك غنى، وفي سلامتك منتهى المنى. ثم تمضي السنون، ويشتد عود الصغير، وتذوي نضارة الشباب في وجه الأم، وتثقل خطاها، ويرتجف صوتها، وربما غدا ما كان بالأمس من أعذب الأصوات ثقيلا على سمع ابن شغلته الدنيا عن أول قلب أحبه. يا للعقوق حين يتجرد من الوفاء! كيف يضيق صدر رجل بتكرار حديث أمه، وقد اتسع صدرها لبكائه آلاف المرات؟ وكيف يستثقل بطء خطاها، وقد حملته يوما حين لم تكن لقدميه قدرة على المسير؟ لقد قرن الله الإحسان إلى الوالدين بتوحيده، فقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِديْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}. فإذا كان أدنى التأفف مما نهى الله عنه، فكيف بجفاء يستدر دموعها، أو كلمة تذل شيبتها، أو إعراض يشعرها أنها أصبحت عبئا بعد أن كانت لك الحياة كلها؟ وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحق الناس بحسن الصحبة، فكرر الجواب: «أمك» ثلاثا، ثم قال: «ثم أبوك». متفق عليه. فيا من لا تزال أمه تظله بدعائها، لا تؤجل البر إلى زمن قد لا يأتي، ولا تدخر الحنان ليوم لا ينفع فيه الندم. فإن من أوجع مشاهد الحياة أن يقف المرء على ثرى أمه، وقد انقطع الصوت الذي كان يستقبله بالدعاء، وأغلق الباب الذي كان يجد خلفه رحمة لا تسأله عن استحقاقها. هنالك قد تتزاحم في صدره كلمات لم يقلها، وقبل لم يطبعها على جبينها، وساعات أضاعها في غير صحبتها. وما أقسى أن يفيض القلب بالبر بعد رحيل من كان ينتظره! ثم انظر إلى المرأة التي ارتضتك شريكا لعمرها، وآثرت أن تجعل من جوارك موطنا لأحلامها، ومن عهدك مستقرا لأيامها. جاءتك تحمل حسن ظنها بالله، وثقتها بما عاهدتها عليه، ورجاءها أن تجد فيك من الوفاء ما يؤنس وحشة الطريق، ومن الرحمة ما يخفف أثقال الحياة. ولم يكن ما جمعكما عهدا هينا، بل سماه الله سبحانه: {مِّيثَاقًا غَلِيظًا}. فتأمل جلالة الوصف، واستشعر عظم الأمانة! ميثاق لا ينبغي أن تستخف به نزوة غضب، ولا أن تنقض حرمته كلمة طائشة، ولا أن تستباح في ظله كرامة امرأة لم تدخل حياتك لتكون رهينة لأهوائك. لقد أراد الله للزواج أن يكون سكنا، فقال جل شأنه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}. فأي سكن ذاك الذي تستوحش فيه الأرواح؟ وأي مودة تلك التي يغتال فيها الاطمئنان؟ وأي رحمة تبقى إذا صار أقرب الناس إلى المرأة أشدهم إيلاما لقلبها؟ إن من فواجع العشرة أن تتحول اليد التي كانت تمد للمواساة إلى مصدر للرهبة، وأن يغدو الصوت الذي كانت تستأنس به باعثا على الفزع، وأن تضطر المرأة إلى أن تتقن الصمت لا حكمة، بل اتقاء لما قد يجره الكلام من أذى. وكم من زوجة كتمت شكواها حفاظا على بيتها، وتجرعت مرارة التجاهل صونا لأبنائها، وتغاضت عن جفاء لو أصاب بعضه قلب زوجها لضاق به ذرعا! ثم إذا نطقت بما يؤلمها قيل