لا هدنة في الجنوب: كيف يواجه حزب الله الضغط الناري الإسرائيلي في جنوب الليطاني وشماله؟

في جنوب لبنان، لم تعد الهدنة التي أُعلن عنها في 16 أبريل/ نيسان 2026 سوى عنوان سياسي يغطي واقعاً ميدانياً متحركاً، تُعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك يومياً وفق إيقاع النار لا الاتفاقات. فبين نهر الليطاني وعمق الجليل، تتداخل خطوط السيطرة بالنفوذ الناري، وتتحول الجغرافيا إلى مساحة اختبار مستمر لميزان القوة وحدوده.

تعتمد إسرائيل على تكثيف الضغط عبر انتشار ناري واسع وضربات دقيقة تستهدف الحركة قبل الثبات، في محاولة لفرض واقع أمني بالقوة ومنع أي إعادة تموضع لخصمها. لكن هذا النمط لا يمر دون كلفة، إذ يفتح المجال أمام ردود مرنة وغير متوقعة، تُبقي الجبهة في حالة اشتعال منخفضة الوتيرة لكنها مرتفعة التأثير.

في المقابل، يُظهر حزب الله قدرة متزايدة على التكيّف، مستفيداً من تكتيكات الانتشار المرن وتكامل أدواته القتالية، وعلى رأسها المسيّرات التي باتت تعيد رسم معادلات الاشتباك. وبين تفوق ناري من جهة، ومرونة عملياتية من جهة أخرى، يدخل الجنوب مرحلة استنزاف مفتوحة، بلا حسم واضح.

لم يعد الحضور الإسرائيلي في جنوب لبنان يُقاس بعدد الجنود على الأرض، بل بحجم النار التي يغطيها، إذ إن المعطيات الميدانية تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتمد نمطاً قتالياً قائماً على "الانتشار بالنار" بدل الانتشار البشري، حيث يفرض سيطرة نارية على نحو 60 بلدة وقرية ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، بعمق يتراوح بين 10 و12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية.

غير أن هذا التمركز الذي انتهجه الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان لا يشكل الحد الفعلي للعمليات، إذ يتجاوز تأثيره هذا النطاق عبر القصف المدفعي المكثف، والغارات الجوية، والطائرات المسيّرة التي تضرب أهدافاً أبعد شمالاً.

هذا النمط لا يقتصر على خطوط تماس ضيقة، بل يرسم خريطة اشتباك مفتوحة ومتصلة جغرافياً، تمتد من القطاع الشرقي إلى الغربي مروراً بالقطاع الأوسط، على طول مجرى نهر الليطاني.

ففي قضاء النبطية وحده، طالت العمليات بلدات يحمر الشقيف، والزوطرين، وأرنون، وكفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وكفررمان، وعدشيت، وجبشيت، وحاروف، وتول، وعبا، وميفدون، مع تفاوت في عمق الاستهداف يبدأ من كيلومتر 1 فقط عن "الخط الأصفر"، وصولاً إلى مجرى النهر، وحتى نحو 10 كيلومترات شماله.

ويمتد هذا الانتشار إلى قضاء مرجعيون، حيث تكررت الضربات في تولين، وقبريخا، وخربة سلم، والصوانة، وعلمان القصير، بينما في بنت جبيل شملت الاستهدافات بيت ياحون، وبرعشيت، وتبنين، وشقرا، وصفد البطيخ، والجميجمة، والسلطانية، وبرج قلاويه، والغندورية، وحاريص، وكفردونين.

أما في قضاء صور، فتُظهر الخريطة اتساعاً أكبر، يكاد يغطي كامل القطاع، من صريفا والطويري إلى القليلة والحنية ورشكنانيه وجبال البطم، وصولاً إلى دير قانون رأس العين وباتوليه.

وبحسب مصادر أمنية لبنانية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن هذا الانتشار الكثيف لا يعكس مجرد تكثيف للعمليات، بل يندرج ضمن استراتيجية متكاملة تقوم على "التشبع الناري"، هدفها منع أي تموضع ثابت أو إعادة انتشار لقوات حزب الله، عبر إبقاء كامل الجغرافيا الجنوبية تحت ضغط مستمر، يحول دون تثبيت أي معادلة ميدانية مستقرة.

تعكس طبيعة الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان تحولاً واضحاً في فلسفة الاستهداف، من التركيز على المواقع الثابتة إلى ملاحقة الأهداف المتحركة في الزمن الحقيقي.

وفي هذا السياق، تلعب الطائرات المسيّرة دوراً محورياً في تعقب السيارات والدراجات النارية، التي تُصنَّف من وجهة النظر الإسرائيلية كوسيلة أساسية لحركة عناصر حزب الله أو نقل المعدات بين نقاط الانتشار.

ميدانياً، سُجلت استهدافات متكررة لدراجات نارية في مناطق مثل الشهابية، والبازورية، وقانا، ودبين، إلى جانب ضربات استهدفت طرقات رئيسية، أبرزها طريق العامرية – المنصوري.

ويشير هذا النمط إلى اعتماد تكتيك "الاصطياد اللحظي"، حيث يتم رصد الهدف وتعقبه وضربه خلال فترة زمنية قصيرة، بدل الاكتفاء بالضربات الموجهة ضد مواقع ثابتة أو معروفة مسبقاً.

بالتوازي مع ذلك، لا تزال الضربات التقليدية حاضرة بقوة، إذ يستمر القصف المدفعي المباشر على بلدات مثل صريفا، والمنصوري، ومجدل زون، وكونين، فيما تتولى الطائرات الحربية استهداف البنى التحتية والمواقع التي تتهم إسرائيل الحزب باستخدامها نقاط انطلاق أو تخزين، ما يعكس مزيجاً بين الاستهداف الديناميكي والضغط الناري المستمر.

ورغم هذا التموضع داخل "الخط الأصفر"، تشير المعطيات إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق هدفه الأساسي، المتمثل في تأمين مستوطنات الشمال أو حماية قواته من هجمات الحزب.

بل على العكس، استمرت الهجمات لتطال عمق الجليل الغربي، حيث دوّت صفارات الإنذار بشكل متكرر في مستوطنات زرعيت، وأفن مناحم، ونطوعه، وفسوطه، وكفار جلعادي، ومسكافعام، نتيجة إطلاق المسيّرات.

هذا التطور دفع إسرائيل إلى توسيع نطاق إنذارات الإخلاء، لتشمل مناطق أعمق داخل قضائي صور والنبطية، في محاولة لفرض حزام أمني فعلي لا يقوم فقط على الانتشار العسكري، بل على تفريغ المناطق من سكانها، ما يحدّ من قدرة الخصم على الحركة ويعيد تشكيل البيئة الميدانية لصالحها.

في مقابل الضغط الناري الإسرائيلي، تشير معطيات ميدانية حصل عليها "عربي بوست" من مصادر مقربة من حزب الله إلى أن الحزب لا يزال يحتفظ بقدرة عملياتية مرنة، تقوم على إعادة توزيع أدواره القتالية ضمن بنية متعددة الطبقات، تتيح له الاستمرار في العمل رغم الاستهداف المكثف.

هذه البنية ترتكز أولاً على جنوب الليطاني، حيث يستمر النشاط ضمن نطاق الاشتباك المباشر، مع الحفاظ على القدرة على إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات محدودة، حتى تحت الضغط الناري العالي.

ورغم كثافة الضربات، لا يزال هذا الحيز يشهد حضوراً عملياتياً غير ثابت، يقوم على المناورة بدل التمركز، ما يسمح بالحفاظ على الحد الأدنى من الفعالية القتالية.

أما شمال الليطاني، فقد تحوّل تدريجياً إلى جبهة إسناد رئيسية، تنطلق منها العمليات الأكثر تعقيداً، سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ. هذا التحول لا يعكس فقط إعادة تموضع جغرافي، بل يشير إلى محاولة بناء عمق عملياتي يخفف من أثر الاستهداف المباشر في الجنوب، ويمنح الحزب مساحة أوسع لإدارة المعركة.

بين هاتين المنطقتين، تبرز خطوط الإمداد كعنصر حاسم في استمرارية العمليات. ووفق المصادر، لا تزال هذه الخطوط فعالة رغم الاستهداف الإسرائيلي المستمر، ما يعني أن منظومة الربط اللوجستي لم تُشلّ، وأن القدرة على نقل الأفراد والمعدات ما زالت قائمة، ولو بوتيرة أكثر حذراً وتعقيداً.

وتوضح المصادر أن هذا الأداء يرتبط بتبني الحزب تكتيك "الانتشار المرن"، الذي يقوم على تفكيك الوحدات الكبيرة إلى مجموعات صغيرة، تعمل بشكل متحرك وغير مركزي، وتتجنب أي تمركز ثابت يمكن رصده أو استهدافه بسهولة.

هذا النمط لا يقلل فقط من فعالية الضربات الإسرائيلية، بل يفرض أيضاً تحدياً استخباراتياً دائماً، إذ تتحول الأهداف إلى كيانات متغيرة يصعب تثبيتها أو تعقبها ضمن بنك أهداف تقليدي.