لا طحين من جعجعة الدبلوماسية: «الحرب الثالثة» على الأبواب؟

طهران | في مثل هذا اليوم قبل 47 عاماً، وبعد أقلّ من سنة على سقوط شاه إيران وانتصار الثورة الإسلامية، أقدم الطلاب الثائرون على اقتحام السفارة الأميركية في طهران، التي اعتبروها «وكراً للتجسّس» و«منطلقاً للمؤامرات» ضدّ الثورة الفتية. مثّلت تلك الواقعة منعطفاً حاسماً في مسار العلاقات بين البلدَين، التي دخلت مِن بَعدها مرحلة طويلة من المدّ والجزر، اللذَين انتهيا إلى حرب شاملة فشلت في إسقاط النظام. اليوم، وبعد تجارب مريرة من العقوبات، والحصار، والحروب، والتسويات المتعثّرة -كاتفاق عام 2015 النووي أو تفاهم «إسلام آباد» في حزيران الماضي-، وفي ظلّ حصارات بحرية وتنازع مستمرّ على السيطرة على مضيق هرمز، يقف الطرفان على حافة حرب جديدة، بينما يواصلان شدّ الحبال، واستعراض القوى، على الأرض وعلى طاولة الدبلوماسية سواءً بسواء.

ورفعت استعدادات الطرفَين العسكرية لـ«الحرب الثالثة»، التي يكثر الحديث عن احتمال اندلاعها بعد الانتخابات النصفية الأميركية، التوتّر إلى مستويات قياسية، بات معها أيّ احتكاك صغير قابلاً للتحوّل إلى شرارة تُحدث انفجاراً واسع النطاق، وهذا ما أكدته أحداث أمس في مضيق هرمز. فبحسب التقارير، أطلقت إيران، فجراً، النار في اتجاه مقاتلة أميركية حلّقت فوق المضيق، لتردّ الأخيرة باستهداف منصّات إطلاق الصواريخ، ومنشآت الدفاع الجوي الإيرانية في جزيرة قشم. غير أن هذه المواجهة لا تقتصر على الميدان وحده، بل تنسحب على الساحة الدبلوماسية أيضاً، حيث تسعى الولايات المتحدة وإيران، عبر التمسّك الصارم بمواقفهما، إلى تثبيت مكاسبهما، وانتزاع الحدّ الأقصى من التنازلات؛ وهو وضعٌ يجعل إيجاد قاسم مشترك بين الجانبَين مهمّة بالغة التعقيد، إن لم تكن مستحيلة بالنسبة إلى الوسطاء، وتحديداً قطر، التي حطّ موفدوها في طهران، ليل الإثنين- الثلاثاء، لإجراء مباحثات حول نسخة من مسودة اتفاق تتواصل المفاوضات بشأنها منذ 8 أيام. وتفيد مصادر مطلعة بوجود «تقدّم» على هذا المسار، إلا أن الوضع يبقى «هشّاً» و«الفجوة لا تزال واسعة» بين مواقف الطرفَين. ومع ذلك، يحرص الجانب القطري على إشاعة أجواء إيجابية؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية القطرية، أمس، أنها تنقل المقترحات المتبادلة «باستمرار، وفي الوقت الفعلي»، مؤكّدةً «تفاؤلها» بإمكانية التوصّل إلى اتفاق. وأشار المتحدّث باسم الوزارة، ماجد الأنصاري، إلى أن البلدَين يعكفان على دراسة المقترحات التي قدّمتها بلاده في إطار وساطتها.

رفعت الاستعدادات العسكرية للطرفَين لـ«الحرب الثالثة» منسوب الحساسية والتوتّر إلى مستويات قياسية

غير أن التصريحات التي أدلى بها أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، محسن رضائي، أمس، لم توحِ بوجود تطوّر إيجابي؛ إذ قال رضائي، من دون أن يوضح ما إن كان ردّاً على رسالة نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس أم لا، إن «الردّ» الأميركي على «المطالب» الإيرانية «لم يكن مقنعاً»، مشدّداً على أن واشنطن ملزَمة بـ«القبول بالشروط السبعة» الإيرانية، وأنه لا سبيل لفتح مضيق هرمز إلا بتلبية هذه الشروط حصراً. وفي السياق نفسه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إنه «لم يطرأ أيّ تطوّر جديد على مسار التوصّل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أن عملية تبادل الرسائل بين الجانبَين، عبر الوسطاء، مستمرّة بوتيرتها السابقة. كذلك، أكد رئيس البرلمان، ورئيس الوفد الإيراني المفاوض، محمد باقر قاليباف، أن «على دول المنطقة أن تعلم أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بقدر ما هي مستعدّة للقتال وإصبعها على الزناد، قدّمت رداً مقتدراً وعقلانياً للجانب الأميركي، والكرة الآن في ملعب واشنطن لتجنّب الحرب». وكان أعلن فانس أن المشاورات غير المباشرة مع إيران حقّقت «إنجازات»، قد تفضي إلى جولة جديدة من المفاوضات.

في الأثناء، تتزايد المؤشرات التي توحي بتفعيل موسكو وبكين جهودهما الدبلوماسية للحيلولة دون تفاقم التوتّر الإقليمي، لا سيما وأن الثانية باتت في الأيام الأخيرة مركز ثقل الحراك السياسي. على أن ما يتبلور في الصين اليوم، قد يتجاوز أفق المبادرة التقليدية الرامية إلى إنهاء المواجهة الإيرانية - الأميركية، ليشمل مسعى أوسع عنوانه ضمان تنفيذ أيّ اتفاق قد يتمّ التوصّل إليه. وتتجسّد هذه النقلة في التزامن اللافت لزيارات كلّ من سلطان عمان، هيثم بن طارق، ومستشار الأمن القومي السعودي، مساعد بن محمد العيبان، ونائب أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، علي باقري كني، إلى الصين، فضلاً عن التقارير التي تحدّثت عن انعقاد اجتماع ثلاثي بين ممثّلي الصين وإيران وعُمان. كما تتزامن هذه التحرّكات مع المسعی القطري، وكذلك مع الإعلان عن قرب زيارة المبعوث الصيني الخاص إلى المنطقة في النصف الأول من تشرين الثاني، لتؤكد دخول الدور الصيني مرحلة جديدة وحاسمة في إدارة الأزمة الإقليمية.وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه التحرّكات، في سعي الصين الحثيث إلى نسج شبكة دبلوماسية منسّقة، تضمّ إلى جانب طهران وعواصم الخليج، وسائر الفاعلين الإقليميين المؤثّرين. وفي هذا السياق، تبرز عُمان كشريك طبيعي لبكين في هذه المبادرة، نظراً إلى علاقاتها المتوازنة والقديمة مع كلّ من الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن موقعها الجيوسياسي الحسّاس على ضفاف مضيق هرمز. ومن جهتها، تدعم أطراف أخرى كالسعودية وترکیا وباكستان ومصر، المسار الدبلوماسي لدواعٍ أمنية واقتصادية ملحّة، فيما تستطيع روسيا، بما تملكه من مقدّرات سياسية وفنية، ولا سيما في الملف النووي، أن تضطلع بدور تكميلي وازن في صياغة الترتيبات المستقبلية المرتقبة.