يوضح المقال أن المشكلة في العادات المتكررة لا تكون دائماً ضعف الإرادة، بل غالباً غياب الوعي الذاتي، أي عدم الانتباه لما نشعر به ونفكر فيه قبل أن يتحول إلى سلوك آلي متكرر. يشرح أن كثيراً من التصرفات اليومية (كالأكل، التسويف، استخدام الهاتف) تنطلق من توتر أو خوف أو فراغ داخلي لا نلاحظه، وأن الوعي الذا…
أحياناً لا تكون المشكلة في العادة نفسها، بل في أننا نعيش أيامنا دون أن ننتبه لأنفسنا بما يكفي. نمضي بين المهام والانشغالات والرسائل والمواعيد المتراكمة، ثم نتفاجأ في نهاية اليوم بأننا عدنا مرة أخرى إلى السلوك ذاته الذي وعدنا أنفسنا كثيراً بتغييره، فنظن أن المشكلة في ضعف الإرادة، بينما قد يكون السبب أعمق من ذلك بكثير.
وربما لهذا لا تكون المشكلة دائماً في قلة المحاولة، بل في أننا لا ننتبه بما يكفي لما يحدث داخلنا قبل أن يتحول إلى سلوك متكرر. فكثير من الناس يتحركون وسط أيامهم بدافع العادة أكثر من الوعي. يستيقظ الإنسان، يكرر يومه، ينفعل، يهرب، يأكل، ينسحب، أو يفتح هاتفه عشرات المرات دون أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: ماذا يحدث داخلي فعلاً؟
وفي علم النفس يُعرف هذا المفهوم بـ "الوعي الذاتي" أو Self-Awareness، وهو قدرة الإنسان على ملاحظة أفكاره ومشاعره وسلوكياته بوضوح ووعي، بدل أن يعيشها بشكل تلقائي دون إدراك حقيقي لها. فالوعي الذاتي لا يعني مراقبة النفس بقلق أو تحويل كل شعور إلى تحليل مرهق، بل أن يصبح الإنسان أكثر انتباهاً لما يشعر به، ولماذا يتصرف بالطريقة التي يفعلها. ولهذا يرى المختصون أن الوعي الذاتي من أهم العوامل التي تساعد الإنسان على تغيير عاداته وتحسين جودة حياته النفسية والسلوكية، لأن كثيراً من السلوكيات التي نكررها يومياً لا تبدأ كقرارات واعية، بل كردود فعل نفسية تحدث أحياناً قبل أن ننتبه لها. وقد يبدو هذا المفهوم نظرياً للوهلة الأولى، لكننا نعيشه يومياً بطرق أبسط مما نتخيل، فنحن أحياناً لا نأكل لأننا جائعون، بل لأننا متوترون، ولا نؤجل أعمالنا دائماً لأننا كسالى، بل لأننا مرهقون نفسياً أو خائفون من الفشل، وقد يفتح الإنسان هاتفه عشرات المرات في اليوم، لا حباً بالتقنية، بل هرباً من شعور داخلي بالفراغ أو القلق أو الوحدة، وحتى بعض الانفعالات المفاجئة قد لا تكون بسبب الموقف نفسه، بل نتيجة تراكم طويل لمشاعر لم ينتبه لها الإنسان في وقتها.
والمشكلة أن معظم هذه التصرفات لا تحدث بوعي كامل، بل تبدأ بمشاعر صغيرة لا ننتبه لها في وقتها، وهنا تظهر أهمية الوعي الذاتي، لأنه يساعد الشخص على ملاحظة "المحفزات النفسية" التي تسبق السلوك قبل أن تتحول إلى عادات متكررة يصعب تغييرها. فالشخص حين ينتبه مثلاً إلى أنه يلجأ للطعام تحت الضغط النفسي، يصبح أكثر قدرة على التعامل مع السبب الحقيقي بدل الدخول في دائرة اللوم بعد كل مرة. ومع ذلك، فليس كل تركيز على الذات يعني وعياً صحياً، فالبعض يخلط بين الوعي الذاتي وبين الاجترار الفكري، ويظن أنه واعٍ بنفسه لأنه يفكر كثيراً، بينما هو في الحقيقة يدور داخل دائرة من القلق وتحليل المواقف وتأنيب الذات بشكل مرهق. أما الوعي الصحي، فهو أكثر هدوءاً ورحمة، هو أن يلاحظ الإنسان نفسه دون قسوة، وأن يسأل: ما الذي أشعر به الآن؟ ما الذي يستنزفني؟ ما الذي أهرب منه؟ لا بهدف جلد الذات، بل بهدف الفهم. ولعل أجمل ما يمنحه الوعي الذاتي للإنسان، أنه يجعله أكثر رحمة بنفسه، فالإنسان حين يفهم نفسه بوضوح يصبح التغيير أقل عنفاً وأكثر عمقاً، لأنه لا يعود منشغلاً بمحاربة نفسه، بل بمحاولة فهمها.
فالوعي الذاتي لا يجعل الإنسان مثالياً، لكنه يجعله أكثر فهماً لنفسه، وأكثر قدرة على التعامل مع عاداته ومشاعره بوعي بدل أن يعيشها بشكل تلقائي ومتكرر.