مبارك لنا جميعاً! لقد نجحنا مجدداً في حجز مقاعدنا الأمامية كجمهور مثالي يتابع الأدوار الإقصائية لكأس العالم من خلف الشاشات، بعد أن ودّع منتخبنا المونديال الأخير بـ"سيناريو كربوني" معتاد: فلاشات إعلامية في دور المجموعات، يليه خروج مر، وعروض كروية باهتة تؤكد أننا ما زلنا نتقن فن "المشاركة المشرفة" وفقط. ثلاثة وعشرون عاماً مضت والمنصات القارية والدولية تنظر إلينا كـ"ضيف ثقيل بالمال، خفيف بالإنجاز". عقدان ونصف ونحن نبحث عن بطولة نضعها في خزائننا، فلا وجدنا بطولة، ولا أبقينا على هيبة الكرة التي كانت يوماً تُرعب القارة الصفراء. ولكن، بعيداً عن ضجيج البرامج والمنصات الرياضية ومحاكمات "X" التي تبدأ وتنتهي مع كل صافرة نهاية، دعونا نسأل السؤال الذي يهرب منه الجميع: كيف نفوز بكأس العالم فعلاً؟ وهل يمكن لكيان ولد حديثاً مثل "أكاديمية مهد الرياضية" أن يكون هو الإجابة؟ نهاية زمن "موهبة الحارة".. هل تنجح المنهجية؟ طوال العقود الماضية، كانت كرتنا تُدار بنظام "الصدفة الفطرية"، يركض طفل موهوب في "حارة" شعبية، يلمحه كشاف بالصدفة في سن الخامسة عشرة، ينتقل للنادي، فيكتشف المدرب أن اللاعب يمتلك مهارة خرافية لكنه يعاني من عيوب تأسيسية وتكتيكية يستحيل إصلاحها في هذا السن. وعندما يصطدم هذا اللاعب بمدافع أوروبي تأسس في مصانع محترفة منذ طفولته، تظهر الفجوة الكارثية التي نراها في المونديال. هنا يبرز التساؤل الكبير: هل تستطيع "مهد" كسر هذه الحلقة المفرغة؟.. الأكاديمية جاءت لتطرح فكرة طموحة: التقاط البراعم من سن السادسة وصياغة جيناتهم الرياضية بالذكاء الاصطناعي والمنهجية الطبية والتكتيكية الصارمة. لكن السؤال يبقى معلقاً: هل سينجح هذا المختبر العلمي في تحويل الموهبة الخام إلى "منتج احترافي" صلب قادر على الصمود في المواعيد الكبرى، أم ستذوب هذه الجهود في دوامة البيروقراطية الرياضية؟ نموذج المغرب.. هل نكرر معجزة "الرباط" في "الرياض"؟ لكي نعرف إن كان هذا المسار مجدياً، لا نحتاج للنظر بعيداً نحو أوروبا؛ بل يكفي أن نتأمل تجربة الأشقاء في المغرب. فالعالم كله وقف مذهولاً أمام أسود الأطلس وهم يزلزلون الأرض تحت أقدام عمالقة الكرة ليصلوا إلى المركز الرابع في مونديال قطر. هذا الإنجاز التاريخي لم يكن وليد الصدفة، بل كان إحدى ركائزه الأساسية "أكاديمية محمد السادس لكرة القدم" التي تأسست عام 2009. من تلك الأكاديمية خرجت أسماء صنعت الفارق التاريخي مثل: عز الدين أوناحي، يوسف النصيري، ونايف أكرد. لقد أثبت المغرب للعالم أن الاستثمار الصبور في أكاديمية وطنية موحدة يصنع جيلاً يملك "جينات المنافسة الدولية". فهل تستطيع "مهد"، التي تسير اليوم على خطى شبيهة بضخ مواهبها في المنتخبات السنية، أن تكرر ذات المعجزة وتصبح هي الممول الرئيسي لـ "أخضر المستقبل"؟ علامات استفهام حول "عقلية اللاعب المرفّه" الاعتراف بالخطأ أولى خطوات العلاج؛ أكبر عائق واجه كرتنا هو انعدام الرغبة في الاحتراف الخارجي نتيجة الرفاهية المالية والعقود الضخمة محلياً. وهنا يفرض السؤال الأصعب نفسه: هل تملك "مهد" القدرة على تغيير "عقلية" اللاعب السعودي قبل مهارته؟ الأكاديمية تبتعث لاعبيها حالياً لإسبانيا وإيطاليا لخوض معايشات قوية، لكن ماذا سيحدث عندما يبلغ هؤلاء الفتية سن الثامنة عشرة؟ هل ستنجح الأكاديمية بالتعاون مع أصحاب القرار في فرض "مسار احترافي خارجي إلزامي"، أم أن إغراءات عقود دوري روشن ستعيد هؤلاء المواهب إلى دكة البدلاء المحلية لنعود مجدداً إلى المربع الأول؟ ختاماً المنافسة الحقيقية على كأس العالم، أو حتى استعادة العرش الآسيوي المفقود، ليست حلماً مستحيلاً، لكنها لا تتحقق بالشعارات. "أكاديمية مهد" تملك اليوم كل المقومات لتكون طوق النجاة الأخير ومصنع الأبطال الحقيقي.. فهل تستغل الرياضة السعودية هذه الفرصة التاريخية لنتابع المونديال القادم ونحن نشجع طموحنا في الملعب، أم سنظل نبكي على أطلال جيل التسعينات؟ *صحفي سعودي