قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها، فكل محدثةٍ في الدين بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
وتابع علي جمعة، في منشور على فيس بوك: وترك لنا رسول الله المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ترك لنا كتاب الله، وترك لنا سنته، وترك لنا عترته أهل بيته، ووضَّح لنا الطريق؛ فما ترك شيئًا يقربنا إلى الله، ويقربنا إلى الجنة، ويبعدنا عن سخطه وعن النار، إلا وقد أمرنا به، وما ترك شيئًا يبعدنا عن الله، ويقربنا من سخطه والنار، ويبعدنا عن الجنة، إلا وقد نهانا عنه.
كما ترك لنا سيرته العطرة، وترك لنا كيف نتصرف في المواقف المختلفة، حيثما كان المسلم، وحيثما أراد الله له أن يكون.
ومكث رسول الله في مكة المكرمة نحو ثلاث عشرة سنة، منها عشر سنين وهو يدعو إلى الله في وسط أناسٍ يكرهون الإسلام والمسلمين، ويشركون بالله، ويعبدون الأوثان.
كما كان إذا دخل البيت الحرام وجد ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة من كل اتجاه، لكنه لم يصطدم مع مَن حوله؛ لأنه يدعو إلى السلام، ويعلِّم المسلمين إلى يوم الدين كيف يعيشون في وسط غير المسلمين، وأن يعيشوا إسلامهم، وألا يتزحزحوا عنه، وأن يتمسكوا بأحكامه دون أن يصطدموا بالناس.
وقال علي جمعة، إن هؤلاء الخلق هم أمة الدعوة، دعوة سيدنا محمد ﷺ؛ نرجو الله سبحانه وتعالى لهم الهداية والصلاح، وأن يعمروا الأرض كما أمر ربنا سبحانه وتعالى، وأن يزكوا أنفسهم من كل ما يعيب.
وذكر أن المجتمع كان في مكة مجتمعًا مشركًا بكل المعاني؛ كانوا يشربون الدم، ويقتلون البنات في المهد، ويظلمون العبيد، ويضربون ظهورهم، ويكلفونهم ما لا يطيقون، ويتعاملون بالربا والزنا والفاحشة،كانوا قوم سوء، ولكن رسول الله كان يلمح فيهم الخير، فيقول: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا».
وكان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يُعزَّ الإسلام بأحد الرجلين، لما كان في كل واحدٍ منهما من المعاني والصفات التي يمكن أن تكون سببًا في الخير إذا وُجِّهت إلى الحق.
ولذلك عاش رسول الله في مكة سنواتٍ طويلة يدعو إلى الله بالحكمة، ويصبر على الأذى، ولم يجعل وجود الأصنام حول الكعبة سببًا في أن يبدأ صدامًا يستأصل به الدعوة وأهلها.
وجاءه خباب بن الأرت رضي الله عنه يشكو ما يلقاه المسلمون من الأذى، فذكَّرهم رسول الله بصبر مَن كان قبلهم على دينه، وبشَّرهم بأن الله سيتم هذا الأمر، وأن الأمن سيعم حتى يسير الإنسان لا يخاف إلا الله.
ورفض رسول الله أن يكون طريق الدعوة قائمًا على الصدام مع مَن حوله؛ لأن هذا الدين اسمه الإسلام، والإسلام من السلام.
وأكد أن السلام تحية ربنا- سبحانه وتعالى- للملائكة ولأهل الجنة، والسلام اسمٌ من أسمائه تعالى، والجنة دار السلام، والسلام تحية المسلم مع الناس أجمعين.
والسلام ختام الصلاة؛ تستقبل به الناس جميعًا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بل تستقبل به الأكوان كلها. فعندما تسلِّم في الصلاة، ولو كنت وحدك، فإنك تعلن أن العلاقة التي بينك وبين الكون هي السلام.
هذا الدين الذي دعا إلى السلام، ودعا إلى التعايش مع الناس أجمعين، ضرب لنا فيه رسول الله المثل في مكة: كيف يعيش المسلم في بلادٍ قد يكون أهلها مخالفين للإسلام، بل قد يكره بعضهم الإسلام والمسلمين، ومع ذلك يعيش المسلم دينه ويتمسك به دون عدوان.