في صباحٍ قريب، قد لا يحتاج المواطن إلى البحث عن الخدمة الحكومية التي تناسبه، أو تعبئة البيانات ذاتها في أكثر من منصة، أو الانتظار حتى يكتشف انتهاء وثيقة رسمية أو استحقاق دعم معين. قد تصل إليه الخدمة تلقائياً قبل أن يطلبها، لأن النظام الحكومي استطاع -بعد موافقته ووفق ضوابط واضحة- فهم احتياجه وتوقّع خطوته التالية.
هذا المشهد ليس ضرباً من الخيال التقني، بل يمثل التحول المتوقع في مفهوم الحكومة خلال السنوات المقبلة: من حكومة رقمية تنقل الإجراءات إلى الشاشات، إلى حكومة ذكية تستفيد من البيانات لفهم الاحتياجات، وتحسين القرارات، وتقديم الخدمات بصورة استباقية.
وتبدو المملكة في موقع متقدم للانتقال إلى هذه المرحلة؛ فقد جاءت في المرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025، كما تصدرت إقليمياً مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2025، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية السعودية.
«الحكومة الذكية ليست التي تملك أكبر عدد من الأنظمة، بل التي تستخدم التقنية لتختصر المسافة بين حاجة الإنسان والقرار الحكومي»
نجحت الخدمات الحكومية الرقمية خلال السنوات الماضية في تغيير علاقة المواطن والمقيم بالجهات الحكومية. أصبح بالإمكان إنجاز عدد كبير من المعاملات دون زيارة المقرات أو حمل الملفات الورقية أو التنقل بين الجهات.
لكن الذكاء الاصطناعي يَعِدُ بتغيير أعمق من مجرد تحويل المعاملة الورقية إلى نموذج إلكتروني.
فالخدمة الرقمية التقليدية تنتظر المستخدم حتى يدخل إلى المنصة ويقدم طلبه، بينما تستطيع الخدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحليل البيانات المصرح باستخدامها، والتعرّف إلى نمط الاحتياج، واقتراح الإجراء المناسب، وربما تنفيذه تلقائياً في الحالات التي تسمح بها الأنظمة.
قد تتمكن جهة حكومية، على سبيل المثال، من اكتشاف تعثر معاملة قبل أن يتقدم المستفيد بشكوى. وقد تستطيع منصة موحدة تنبيه أسرة إلى استحقاقها برنامجاً اجتماعياً، أو إرشاد منشأة صغيرة إلى التراخيص المطلوبة بحسب نشاطها وموقعها، بدلاً من مطالبة المستخدم بفهم الهيكل الإداري الكامل للدولة.
وتدرس هيئة الحكومة الرقمية بالفعل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الأذكياء داخل الخدمات الحكومية، بوصفها أدوات يمكن أن تسهم في بناء حكومة أكثر تكاملاً وقدرة على توقع احتياجات المستفيدين وتنفيذ الإجراءات المركبة عبر الأنظمة المختلفة.
من أكثر المخاوف شيوعاً أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من الموظفين. غير أن السيناريو الأقرب في القطاع الحكومي السعودي ليس اختفاء الموظف، بل إعادة تعريف وظيفته.
العديد من الأعمال الحكومية اليومية تتضمن مراجعة مستندات متشابهة، وتصنيف طلبات، وإدخال بيانات، وإعداد تقارير دورية، والإجابة عن استفسارات متكررة. ويمكن للذكاء الاصطناعي إنجاز جانب كبير من هذه المهام بسرعة، ما يسمح للموظف بالتركيز على الحالات المعقدة، والتواصل الإنساني، والرقابة، وتحسين السياسات.
سيصبح الموظف أقل انشغالاً بنقل المعلومة، وأكثر مشاركة في تفسيرها. وأقل ارتباطاً بتطبيق الإجراء حرفياً، وأكثر قدرة على اكتشاف الخلل وتحسين تجربة المستفيد.
« الذكاء الاصطناعي لا يلغي قيمة الموظف الحكومي؛ بل ينقل قيمته من تنفيذ الإجراء إلى مراقبته وتحسينه وصناعة القرار حوله»
لكن هذا التحول يتطلب استثماراً موازياً في المهارات. فالموظف المستقبلي لن يكون مطالباً بأن يصبح مبرمجاً، لكنه سيحتاج إلى فهم إمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده، والتحقق من مخرجاته، والتعامل الواعي مع البيانات، ومعرفة اللحظة التي يجب فيها إيقاف القرار الآلي وإحالته إلى الإنسان.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التعليم ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي نجاح مبادرة «سماي» في تدريب أكثر من مليون مواطن على مفاهيم الذكاء الاصطناعي، وهو مؤشر على أن بناء الوعي والمهارة أصبح جزءاً أساسياً من التحول، وليس جانباً ثانوياً فيه.
التعليم: من منهج موحد إلى رحلة تعلم أكثر دقة
يعد التعليم من أكثر القطاعات التي يمكن أن يظهر فيها أثر الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة.
فالطالب الذي يتأخر في مادة دراسية لا يحتاج دائماً إلى إعادة الدرس بالطريقة نفسها، بل يحتاج إلى معرفة السبب الحقيقي للتعثر: هل المشكلة في مفهوم أساسي لم يفهمه؟ أم في طريقة عرض المحتوى؟ أم في ضعف لغوي يؤثر في فهم السؤال؟ أم في غياب متكرر لم يُعالج في الوقت المناسب؟
تستطيع الأنظمة التعليمية الذكية تحليل أداء الطالب عبر فترة زمنية، واكتشاف نقاط الضعف، واقتراح تمارين تناسب مستواه، وتنبيه المعلم إلى الطلاب الذين يحتاجون إلى تدخل مبكر. وهنا لا يحل النظام محل المعلم، بل يمنحه صورة أوضح عن الفصل، ويحرره من جزء من عمليات التصحيح والرصد الروتينية.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الجامعات والجهات التعليمية في ربط البرامج الأكاديمية باحتياجات سوق العمل. فإذا أظهرت البيانات ارتفاع الطلب على مهارات معينة في الأمن السيبراني أو تحليل البيانات أو الهندسة المتقدمة، يمكن تحديث البرامج التدريبية ومسارات القبول والتأهيل بوتيرة أسرع.
وقد أوضحت وزارة التعليم أنها تعمل مع منظمات دولية لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، بالتوازي مع توجه الجامعات السعودية إلى إنشاء وحدات ومشروعات متخصصة لدمج التقنية في التعليم والبحث والابتكار.
غير أن نجاح التجربة التعليمية لن يُقاس بعدد الأدوات المستخدمة، بل بقدرتها على تحسين الفهم، وتقليل الفجوات بين الطلاب، والمحافظة على دور المعلم بوصفه مربياً ومرشداً، لا مجرد ناقل للمعلومات.
سوق العمل: مطابقة المهارات بدلاً من مطابقة الكلمات
يمثل سوق العمل مجالاً آخر مرشحاً لتحول جوهري.
تعتمد كثير من عمليات التوظيف التقليدية على المسمى الوظيفي والكلمات الموجودة في السيرة الذاتية. لكن الذكاء الاصطناعي يستطيع الانتقال إلى مستوى أكثر دقة، من خلال تحليل المهارات والخبرات والمسارات المهنية، وربط الباحث عن العمل بالفرصة التي تناسب قدراته الفعلية، لا المسمى المكتوب فقط.
وتستخدم المنصة الوطنية الموحدة للتوظيف «جدارات» تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسهيل الربط بين الباحثين عن عمل وأصحاب العمل في القطاعين العام والخاص. كما حصلت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على تقدير ضمن جوائز الحكومة الرقمية عن نظام «الرقابة الذكية على سوق العمل»، الذي يوظف الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة لرصد حالات الاحتيال والتلاعب.
ومستقبلاً، يمكن أن تتجاوز هذه الأنظمة مرحلة عرض الوظائف، لتقدم للباحث عن العمل خريطة واضحة للفجوة بين مهاراته ومتطلبات الوظيفة، وتقترح عليه دورة تدريبية أو شهادة مهنية أو تجربة عملية تساعده على إغلاق هذه الفجوة.
كما تستطيع الجهات الحكومية استخدام البيانات - بصورة مجمعة ومنضبطة - لتوقع المهن التي سيرتفع عليها الطلب، والمناطق التي تحتاج إلى نوع محدد من الكفاءات، والتخصصات التي قد تشهد فائضاً في الخريجين.
وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة توظيف إلى أداة لتخطيط رأس المال البشري الوطني.