هذا مقال عن الكتابة للطفل العربي، وهو أيضًا عن تاريخ ما يعرف بالنهضة العربية، ولكنه أولًا وأخيرًا عن فلسطين، كما هو الحال مع كل قصة عن حداثتنا العربية المجهضة، وعن أحلامنا الحيّة رغم كل الهزائم. تبدأ القصة من كتاب بعنوان «البلح الأحمر» استعرتُه في طفولتي من مكتبة قصر ثقافة أسيوط، على غلافه رسم لنخلة واضحة الخطوط وفي خلفيتها سفينة مظلمة، استطعت رغم صغر سني التعرف بسهولة على صاحب الرسم، بهجت عثمان الذي كنت أعرفه عن قرب من خلال رسومه شديدة التميز في مجلة «العربي الصغير»، الكويتية التي كنت أنتظرها كل شهر. كما عرفتُه من رسومه على كتاب حكايات من أغاني الأصفهاني الذي واظب أبي على قراءته، وإن كنتُ لم أفهم من لغته شيئًا حينها. إلا أنني لم أكن أعرف شيئًا عن مؤلف «البلح الأحمر»، الدكتور محجوب عمر. قصة «البلح الأحمر» عن قرية ساحلية هاجمتها سفينة من القراصنة طمعًا فيما ظنوه قبة ذهبية تظلل القرية، القبة التي كانت في حقيقة الأمر البلح الذي طرحه نخيل القرية وهو في طريقه للاحمرار والنضج، الثمار التي بذل أهل القرية دماءهم في سبيل الدفاع عنها حتى تنضج. علمت منذ الوهلة الأولى أن القصة عن فلسطين، وما زلت حتى اليوم أتذكر صورة شباب القرية وهم يصعدون النخل حاملين المرايا التي ورثوها عن جداتهم، وذلك ليعكسوا ضوء الشمس في أعين الغزاة، اتقاءً لنيران مدافعهم، وعندما بدأت في كتابة هذه السطور، استحضرت كلمات فؤاد حداد: المراية في إيدي زي الدوا المراية في إيدي زي السلاح ناوية تتعذب ولا يرتاح قلبها غير لما تصبح شاهدة إني حاطط بكرة قبل النهاردة بعد سنوات كثيرة، رجعتُ لأعيد النظر في «البلح الأحمر» في إطار مشروع أكبر لدراسة تاريخ الكتابة والرسم للطفل العربي في القرن العشرين، كفصل لم يُكتب بعد من تاريخ الحداثة الثقافية العربية، فبينما تراكمت الدراسات عن تاريخ صناعة الصحافة والكتاب في العالم العربي في تلك الفترة، ظلت مجلات وكتب الأطفال المُنتجة في تلك الفترة على هامش الاهتمام التاريخي، بل ظل صُنّاعه من كُتّاب ورسامين لا سبيل للتعرف على فضلهم خارج أعمالهم التي تستهدف الكبار. في غضون هذه السنوات كنت قد تعرفت عن قرب على أعمال محيي الدين اللباد، الرسام والمصمم وصانع الكتب الذي عرفته من رسوم «زغلول أفندي» في أعداد مجلة سمير الستينية التي كنت قد ورثتها عن طفولة أبي، وتعرفت من خلال كتابه الموسوعي «نظر» على أصدقائه وزملائه في صنعة الفن والرسم للطفل مثل حلمي التوني وجورج البهجوري وبهجت عثمان، كما تعرفت على أستاذهم وكبيرهم الذي علمهم السحر، حسين بيكار، الفنان الموسوعي الذي لم يمنعه نسبه الفني الواصل إلى الآباء المؤسسين من قضاء وقته في الرسم للطفل على ضفاف مجلة سندباد التي نشرتها دار المعارف المصرية، إحدى أبرز منارات النهضة الثقافية في مصر قبل ثورة 1952. كانت هذه النظرة، المقتصرة على الجانب البصري من أدب الطفل، هي نقطة انطلاقي في زيارتي الجديدة لـ«البلح الأحمر»، لكنني سرعان ما أدركت خطأ هذا الاقتصار عندما وقع بصري على الغلاف من جديد، لأدرك أهمية التفكير في كل من ناشر هذا الكتاب ومؤلفه، دار الفتى العربي ومحجوب عمر، وبعد البحث والتفكير، بدأت خيوط قصة جديدة في التكشف أمام عيني، قصة بدأت في مصر كانت تتطلع إلى فصل جديد في تاريخها مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتظمت فصولها في عقد المؤامرة الاستعمارية التي ابتلعت فلسطين شيئًا فشيئًا، وأجهضت الحلم المصري والعربي في حداثة أصيلة محلية. في العام 1908، وفي الوقت نفسه الذي أعلن فيه جمع من الوجهاء والمثقفين المصريين تأسيس الجامعة المصرية الأهلية، كان الأمير يوسف كمال، حفيد محمد علي باشا، يفتتح مدرسة الفنون الجميلة الأولى في مصر بشارع درب الجماميز بحي السيدة زينب، والتي كانت مشروعًا يطمح لتوطين الفنون الجميلة بمعناها الكلاسيكي الأوروبي في مصر، بتركيز خاص على فنون التصوير الزيتي والنحت مما تتزين به جدران وحدائق قصور النخبة المصرية. كان الرعيل الأول من طلبة الجامعة المصرية ومدرسة الفنون الجميلة يحمل حلمًا مزدوجًا، وهو حلم أورثتهم إياه المؤسسات التي تولت تعليمهم وابتعاثهم إلى أوروبا، وهو أن تصبح مصر شريكًا فاعلًا في عالم حديث رسمت أطره أوروبا وهيمنتها الاستعمارية على الأرض والعقل على حد سواء، حلم يمكن لمصر فيه أن تقدم لوحات تقارع أعمال كلود مونيه ودراسات عن التاريخ العربي والإسلامي لا تختلف شكلًا أو نوعًا عن الدراسات الاستشراقية الأوروبية من ناحية، وإعادة النظر والاكتشاف في إطار الميراث الثقافي العربي الإسلامي والمحيط المحلي للوصول لتصور للهوية أقرب لما يعرفه فاعلوها عن أنفسهم من ناحية أخرى. وُلد من هذا الحلم وتوابعه محاولة جادة وممتدة لصياغة حداثة مصرية أصيلة، التي اختلفت فيها الآراء والتوجهات، ووصلت هذه المحاولة لأوجها في لحظتين من أخطر اللحظات في التاريخ المصري بشكل يسمح لنا أن نراها كمشروع متواصل وإن تعدد فاعلوه وأهدافهم، واللحظة الأولى هي وصول الملك فؤاد الأول غير المتوقع إلى حكم مصر عام 1917، وما تبعه من إعلان إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، أما اللحظة الثانية فكانت ثورة يوليو 1952 وما تلاها. في كلتا اللحظتين فرض الظرف السياسي، الأكبر من مصر بكثير، عليها أن تعيد تخيل موقعها من العالم والتاريخ (والمستقبل) بشكل جذري، وفي الحالتين، كان الكثير من المثقفين والفنانين المصريين من الجيل السابق ذكره وتلاميذهم على أتم الاستعداد للانخراط في هذه المحاولة في إطار الإمكانات الجديدة التي أتاحتها التكنولوجيا. ولا يتطلب الأمر نظرًا ثاقبًا لرؤية المأساة الفلسطينية والتحول الاستعماري الذي زرع الجيب الاستيطاني الإسرائيلي في خلفية كل هذه اللحظات المحورية، إذ وُلد مشروع الملك فؤاد للتوسع الثقافي المصري كرد فعل مباشر على واقع ما بعد اتفاقية سايكس بيكو، وما تبعها من إلغاء الخلافة والدخول في أزمة حقيقية وغير مسبوقة نتجت عن غياب أي رأس ولو رمزي لجسد العالم الإسلامي شرق وجنوب المتوسط؛ ذات اللحظة التي كانت الحركة الصهيونية تنهش الأراضي الفلسطينية تحت غطاء الحماية البريطانية فيها، بينما ولدت ثورة 1952 من رحم النكبة الفلسطينية سنة 1948 والهزيمة المصرية المذلة التي تبعتها، في كلتا اللحظتين؛ كانت أنظار المثقف والفنان والسياسي المصري تنتقل بين فلسطين والقاهرة، لتشكل الدروس المستقاة من الأولى التصور الذي كان يجب على حداثة الثانية أن تكونه. في هذا الإطار، لم يدع دوي المعارك القادمة مجالًا لأعمال هامسة تعلق على حوائط القصور وتطفو فوق الواقع مثل راهبة أحمد صبري الصامتة، أو فلاحات مختار المتمايلات، أو عشاق مصطفى لطفي المنفلوطي الداهشين، نستطيع أن نرى التحول التدريجي الذي فرضه تأزم وانفجار الوضع في فلسطين على تطور الفن والأدب المصري كصناعة في إطار تحول تكنولوجي حاد شهدته البلاد بين نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وبداية انهيار المشروع الناصري عام 1970. الراهبة لأحمد صبري ما يهمنا هنا هو صناعة الطباعة والنشر التي أتاحت للفنان والأديب المصري في الثلث الثاني من القرن العشرين مساحات جديدة كليًا للإنتاج، بل قدمت له وعدًا بالوصول إلى ملايين القراء حول العالم العربي، وتحديدًا إلى ملايين الأطفال ممَن بدأوا في التوافد على تعليم بدأ في النمو حتى فتح مصراعيه لكل طفل مصري بعد ثورة 1952، وهي الفرصة التي بعد أن سبر أغوارها الكاتب الكبير كامل كيلاني بترجماته وتعريباته للطفل العربي في بداية القرن، ثم وصلت إلى كل بائع صحف على كل رصيف مع جهود دار المعارف للنشر للطفل، تلقفها بعض أهم الفنانين وعلى رأسهم حسين بيكار، ابن مدرسة الفنون الجميلة البار الذي غدا أشهر فناني جيله على الإطلاق وأصبح اسمه قرينًا بمعارض حي الزمالك وصالات المزادات العالمية والأعمال الفنية الثمينة إلى يومنا هذا، لا يدرك الكثيرون اليوم قدر إسهام هذا الرجل في مجال صناعة الكتاب والصحافة والنشر للكبار بداية من تصميمه ورسمه لـ«أيام» طه حسين مع «المعارف» وللأطفال مع نفس الدار عبر مجلة سندباد. هذه المجلة صدرت عن واحدة من أهم دور النشر في تاريخ النهضة الثقافية العربية والتي كان لها الباع الأكبر في النشر للطفل، كانت نتاجًا لتراكم في المعارف والخبرات الأدبية والفنية والتقنية اجتمع فيه نتاج ما يربو على قرن من العمل على صياغة الحداثة المصرية والعربية، اجتمعت فيها جهود مؤسسي دار العلوم التي قدمت محمد سعيد العريان، رئيس تحرير «سندباد»، والجامعة التي أنجبت طه حسين وكامل كيلاني، وجهود الأمير يوسف كمال مؤسس مدرسة الفنون الجميلة التي قدمت حسين بيكار، وخبرات ومهارات عشرات الألوف من الأسطوات في مطابع مصر الأميرية والأهلية ممن استطاعوا طباعة رسوم بيكار الملونة الجميلة في أجمل صورة في إطار إمكانيات محدودة، والألوف من الأساتذة في مدارس ربوع مصر ممن علموا الأطفال قراءة المجلة؛ وحتى سعاة وموظفي هيئة البريد الذين حملوها إلى أركان مصر والعالم العربي. لا غرابة إذن في أن يُولد من رحم «سندباد» جيل كامل من الفنانين والكتاب ممن قرأوها أطفالًا، وحملوا شعلة رسالتها شبابًا وكهولًا، مثل محيي الدين اللباد (وهو أهم مصمم جرافيكي في تاريخ العالم العربي في رأيي) الذي بدأ مسيرة استمرت 60 عامًا من النشر للطفل العربي برسالة إلى بريد قراء «سندباد»، أو بهجت عثمان الذي وصف رسوم بيكار في مقالاته الشخصية «صداقة بلا حدود» (والتي أُعيد نشرها مؤخرًا من قبل دار المحروسة) قائلًا: «أحلى ما أحسست من رسومه أنها كانت تدعوني أن أرسم أنا أيضًا (…) وهكذا أبحرت في عالم الفن الجميل تحملني سفينة الأستاذ بيكار (…) عندما رسمت ثلاثين كتابًا من وحي حكايات كليلة ودمنة… حملت الكتب إليه كطفل صغير يحمل كراسة الواجب، وعندما هنأني قلت له هذه فضلة خيرك»، فضلة الخير هذه تحديدًا هي ما حملت اللباد وبهجت وزملائهم مثل إيهاب شاكر وحلمي التوني ونبيل تاج وغيرهم إلى اجتياز الآفاق بعد تتلمذهم على يدي بيكار في مدرسة الفنون الجميلة، وأي آفاق هي تلك التي اجتازوها. *** بالرغم من تدريبهم الكلاسيكي كفناني صالونات، اتجهت هذه المجموعة من خريجي الفنون الجميلة على خطى بيكار إلى المطبعة كقبلة للإنتاج الفني. كانت نتيجة هذا التوجه أن تحولوا مع مرور الوقت من مصوري لوحات إلى مصممي جرافيك ورسامين وصُنّاع كتب، وكان لهذا التوجه معنى عميق ارتبط مباشرة أهداف النهضة العربية بالرغم من اتفاق مؤرخي يومنا هذا على نهايتها مع انتصاف القرن العشرين، وهذا المعنى ببساطة هو إيمانهم بكون الفن والأدب للجميع، أي إنتاجه وتوزيعه عبر أقل الوسائط تكلفة وأكثرها انتشارًا، إنتاج تكمن أصالته في تصميمه وإبداعيته واتصاله بقواعده الثقافية، لا في ندرته وقابليته للتملك وكون القطعة الفنية أصلًا في حد ذاتها، وكان في التوجه إلى الطفل كجمهور مستهدف مضاعفة لهذا الرهان، فلا هو يستطيع اقتناء قطع فنية فريدة، ولا يملك رأس مال ثقافي يسمح له بالاشتباك معها بعد. كانت مصر، ومن ورائها العالم العربي ككل، على موعد مع فصل جديد في رحلتهم نحو الحداثة، وعلى أعتاب معركة طاحنة مع استعمار يعيد اختراع نفسه في فلسطين، معركة انتهت بهزيمة مفجعة، لكنها صنعت الحداثة الجرافيكية المصرية في الطريق. يتضح هذا بجلاء في رحلة مجلات الطفل المصرية بعد 1952. ذكرنا سابقًا أن مسيرة اللباد الفنية بدأت مع مجلة «سندباد» قبل أن يبدأ دراسته للفنون الجميلة، حيث ساهم في تأسيس ندوة للمجلة في المطرية وراسلها ببعض أعماله، فنرى على سبيل المثال بورتريه رسمه للرئيس جمال عبد الناصر نشرته المجلة عام 1956، وفي العام التالي بدأ اللباد التتلمذ على يد بيكار في كلية الفنون الجميلة، والذي سيضمه لاحقًا لفريق عمل المجلة بشكل رسمي بين 1960 و1962، وهي الفترة التي سيعيد فيها اللباد توجيه شكل المجلة بالكامل كما يحكي في شهادته عن حياته في اللقاء الثالث للملتقى التربوي العربي عام 2001: «كانت سندباد هي المجلة العربية الأولى التي أسست بيئة سردية خاصة بها، إذ خلقت أسرة متعددة الأفراد جعلتهم أبطال صفحاتهم وقصصها (…) ومن خلال ندوة سندباد عرفتُ أن هناك عالمًا يمتد خارج مصر، وعرفت أنني أنتمي إلى هذا العالم الكبير وليس إلى بلدي فقط، عرفت أن وصف العربي ليس هو ذلك المعنى الذي نشره بيننا المستشرقون أيضًا كما لو أن العربي هو من يظهر في مشاهد بغداد الألف ليلة، بل أن هناك واقعًا عربيًا تفصيليًا وحيًا يمتد من المغرب والجزائر إلى العراق والجزيرة العربية واليمن مرورًا ببلاد الشام، تعرفنا على هذا العالم من خلال المستوى الشخصي الحميم وليس عن طريق المواد الدراسية المختصرة والباردة». لاحظ هنا التعليق المبطن على اللغة البصرية الاستشراقية للمجلة، ويكمل اللباد: «كانت المجلة في حالة منافسة شديدة مع مجلة أخرى تُدعى سمير كانت مغرية للقراء الصغار بلهجتها العامية وبقصصها المرسومة (…) وطلبت مني دار المعارف -قبل أن أكمل العشرين- تجديدًا شاملًا في تبويب المجلة [سندباد] وشكلها، ولما كنت قد تعرفت على المجلات الفرنسية والبلجيكية النظيرة، فقد أقبلت على المهمة بلا ترو وباندفاع، اليوم أظن أني تسببت بإفساد المجلة». نرى في الشهادة السابقة ظهور لأهم فيل في الغرفة عند الحديث عن مجلات الأطفال المصرية.. «سمير» التي ستتحول مع انتصاف الستينيات إلى الرافعة الأهم في جهود النظام الناصري لمخاطبة الطفل في جميع أنحاء العالم العربي، ستمثل التجربة الأولى والأهم في محاولة تجييش الأطفال العرب ضمن مشروع قومي مناهض للاستعمار وصل إلى مستوى البروباجندا السوفيتية الرخيصة في بعض الأحيان، ما يهمنا هنا هو المحطات التي توقف عندها المشروع قبل الميلاد الجديد لمجلة سمير تحت قيادة الكاتبة جميلة كامل، ورئاسة أحمد بهاء الدين لدار الهلال، والمحطة التالية لانهيار المشروع الناصري مع وفاة جمال عبدالناصر وثورة التصحيح الساداتية والتي ولدت من رحمها دار الفتى العربي. في المحطة الأولى، وتحديدًا مع بدء نشر دار الهلال لمجلة ميكي عام 1961 وتوسع «سمير» في نشر القصص المصورة (الكوميكس والستريبس) الأمريكية المترجمة لشخصيات مثل تان تان والشبح وغيرهم، تشكل وعي عند عدد من الفاعلين من جيل الشباب من الكُتّاب والفنانين بضرورة صياغة لغة بصرية وسردية محلية لمخاطبة الطفل العربي، وهو التطور الذي يمكن فهمه في إطار التحول الأكبر في مشروع النهضة من محاولة لصياغة حداثة عربية عبر الترجمة وفي حوار مع الحداثة الغربية؛ إلى مشروع استنتج عبر المواجهات الدموية مع الاستعمار في فلسطين والجزائر وحول قناة السويس ضرورة إنتاج حداثة محلية أصيلة تعرف بوضوح موقعها من القوى الاستعمارية، ثقافيًا وعسكريًا. تجلى هذا الإدراك في مشروع قصير العمر لمجلة جديدة للطفل تحت عنوان «كروان» التي صدرت بمجموعة من الجهود الفردية للصحفي نعمان عاشور، رئيس التحرير، وعدد من الرسامين الشباب، مثل نبيل تاج وبهجت عثمان -اللذين تولى منهم محيي الدين اللباد إدارة التحرير- عبر دار التحرير، ويحكي اللباد عن التجربة قائلًا: «سوبرمان والرجل الوطواط والرجل الشبح (…) كانت جريدة الأهرام هي المؤسسة التي توزع هذه المطبوعات رديئة المستوى. أطلقنا ضجيجًا مضادًا لهذه المجلات، فأعطتنا الدولة فرصة لعمل جديد للأطفال، فعملنا على إنتاج مجلة ذات طابع محلي تحمل شعار: مصرية 100%، ابتعدنا فيها عن الأعمال الجاهزة، وحاولنا أن نرسم شوارع القاهرة الفقيرة وحواريها، وأن نرسم أشخاصها من الناس العاديين.» ورغم توقف «كروان» المفاجئ بعد أقل من عام على صدورها، إلا أنها كانت بحق فصل البداية في ملحمة من الجهود أعادت تعريف صنعة النشر للطفل العربي، فنرى على صفحاتها بدايات لمجموعة من الأسماء التي سيكون لها صولات وجولات في المجالين الثقافي والسياسي في جميع أنحاء العالم العربي، مثل المجموعة التالية من القصائد المنشورة باسم رؤوف نظمي، وهو الاسم الحقيقي للدكتور محجوب عمر، الأديب والمناضل الشيوعي وعضو منظمة التحرير الفلسطينية المصري، ومؤلف «البلح الأحمر» التي بدأ منها هذا المقال. انتقل هذا الفريق الفني والأدبي إلى «سمير» تحت رئاسة «ماما جميلة» لينضم إليه مجموعة من أهم الأدباء مثل صنع الله إبراهيم ويحيى الطاهر عبد الله، ووالد الشعراء فؤاد حداد، ورسامين مثل حجازي واستكملوا مشروع «كروان» المجهض، ولكن هذه المرة في إطار إمكانات «الهلال» الكبيرة، ليكتبوا فصلًا جديدًا في رحلة الدار التي حملت إرث المؤسسة الأهم في تاريخ النهضة العربية مع بداية القرن العشرين. إلا أن الرحلة لم تنته هنا، فعلى أهمية واتساع تأثير مجلة سمير الجديدة، إلا أنها انتهت بنهاية المشروع الناصري كعادة أغلب المشاريع الثقافية المدعومة والمخطط لها من قِبل الدولة، كما أنها كانت لا تخلو من مشاكل كما ذكرنا وكما يحكي اللباد: «أخذت خبرات الجيل الذي تخرج في مجلة سندباد تتراكم وتتزايد، وأصبح لتلامذة بيكار مصادر أخرى تعرفوا عليها وعثروا عليها بأنفسهم، كنا نظن أننا باكتشافنا أن رسوم مجلة سندباد ودار المعارف تعكس موقفًا استشراقيًا، وأننا نتنبه لذلك وإلى ضرورة عدم تكراره ابتعدنا عن الاستشراق، لكننا لم نكتشف أننا لازلنا متأثرين بأوروبا، ولكن بالرسوم في الدول الاشتراكية السابقة». ولكن من رماد مشروعا «كروان» و«سمير» ولهب فلسطين الذي لم يخبُ، وُلد الفصل الجديد من مسيرة هذا المشروع: «دار الفتى العربي» التي انطلقت عام 1974 بجهود فردية في إطار مركز التخطيط الفلسطيني، لتجتمع نفس الأسماء مرة أخرى مع مجموعة جديدة من الرفاق من أنحاء العالم العربي مثل الكاتب السوري زكريا تامر حول مشروع وضع فلسطين في قلب أجندة الإنتاج الأدبي والفني للطفل العربي قبل كل شيء، وهي التجربة التي أنتجت «البلح الأحمر». بينما كان المقال حتى الآن محاولة تأريخية للنظر لجهود النشر للطفل العربي كاستمرارية لمشروع النهضة القديم، إلا أنني أود أن أنهيه بمزيج من التساؤل الذي يجمع بين القلق والأمل. سؤالي هو: كيف ينبغي لنا أن نعمل على إعادة كتابة هذا الفصل شديد الأهمية من تاريخنا الثقافي في ظل غياب مجموعة أرشيفية مركزية تجمع ما أنتجته هذه المجلات والمشاريع جنبًا إلى جنب مع وثائق وملفات صناعها من أفراد ومؤسسات؟ خصوصًا في ظل تقادم الزمن الذي يهدد حالة ما تبقى منها متناثرًا بين المجموعات الخاصة والمنازل والمكتبات. ليس هذا سؤالًا جديدًا، بل هو ناقوس خطر واظب محيي الدين اللباد على دقه منذ النشر الأول لعمله الفريد «نظر» في صورة مقالات منفردة. يمتزج عندي هذا التساؤل بالقلق الشديد بالنظر إلى بوادر ظهور جيل جديد من الرسامين والكتاب العاملين بإنتاج القصص المصورة التي تستهدف اليافعين والكبار في جميع أنحاء العالم العربي، بينما يزداد اهتمام الجماهير بهذا الشكل الفني بشكل واضح، وهو ما اتضح جليًا في النسخة العاشرة من مهرجان كايروكوميكس العام الماضي، والجماهير العريضة التي توافدت عليه للمشاركة في الاحتفال بمئوية فن القصة المصورة المصرية، وهذه كلها أشياء مُبشرة للغاية، إلا أن حقيقة عدم قدرة هؤلاء الفنانين والجماهير الوصول إلى تاريخ هذا الشكل الفني الطويل وما حوله من التاريخ الذي شكل تطوره المحلي يقلقني للغاية، إذ قد ينتهي الحال بنا مرة أخرى عند ما سماه اللباد «نقطة الصفر اللعينة» كما أشار الفنان شناوي منظم «كايروكوميكس» في تقديمه لمجموعة تنابلة الصبيان للفنان حجازي. إلا أنني مليء بالأمل في ذات الوقت، وهذا نتيجة لما أراه من بوادر كتلة حرجة من تراكم الجهود التي تحاول معالجة هذا الفراغ والانسداد الأرشيفي، فبينما يعمل «كايروكوميكس» عامًا بعد عام على تسليط الضوء على هذا التاريخ الطويل، يعمل مجموعة من رجال الظل والمجاذيب مثل هاني الطرابيلي مدير موقع عرب كوميكس، والصديق العزيز خالد عبد الحميد، أحد مؤسسي دار «مرح»، على إنقاذ كل ما يمكن إنقاذه وإتاحته إلكترونيًا، وفي اختيار محيي الدين اللباد كشخصية لمعرض القاهرة لكتاب الطفل هذا العام أيضًا ما يدعو للأمل، خصوصًا في ضوء الجهد الذي بذله الفنان أحمد اللباد في نشر مجموعة من أعمال والده المنسية، والأهم من ذلك وهو إعداده ونشره للكتاب التذكاري البديع والذي أراه نواة لجهد تأريخي حقيقي يعيد تشكيل تاريخ وسيط النشر للطفل العربي. وبمناسبة الأمل، تابعوا محاولة، نعمل عليها، خالد عبد الحميد وأنا وأصدقاء آخرون، هي «حلاوة زمان» التي تؤرخ لهذا التراث الطويل، كمحاولة جديدة في مواجهة نقطة الصفر اللعينة.The post كيف تواجه نقطة الصفر اللعينة.. عن «البلح الأحمر» وأرشيف النشر للصغار first appeared on Mada Masr.