صغيرًا، كنت أشفق على جدتي رحمها الله حين أزورها في بيتها الطيني، لأذوق من خبزها الذي تصنعه على الحطب كل صباح، ثم توزعه على بيوت الأسرة. كان إشفاقي من رؤية كيس الأدوية بجانبها، كظلّ لا يفارقها. ثم كبرت، فانتقل الإشفاق إلى أمي رحمها الله؛ أدراج غرفتها تكتظ بأنواع الدواء، وإلى جانبها شنطة العلاج التي لم تفارقها، وجهاز الأوكسجين الذي لم يكن يصمت.
وكبرت أكثر، فإذا كيس الدواء رفيقي. السكر، الضغط، الدهون، الكوليسترول، المسيلات، المسكنات، الفيتامينات... الخ . كل زيارة للطبيب تضيف إلى رصيدي الدوائي نوعًا جديدًا. في السفر والحل لم تعد تفارقني. ومثلي ملايين البشر: نكبر، وتدخل الأمراض من الأبواب التي تركناها مفتوحة.
لكن المرض ليس قدرًا أعمى دائمًا، ولا هو عقوبة محضة. هو رسالة متأخرة من جسد طالما نادانا بلطف. الصحة تاج لا يبصره إلا من مسّه الفقد، والشباب نار تدفئ وتحرق. نسمع النصيحة، ثم نؤجلها إلى زمن لا يعرف التأجيل. والجسد أمانة، والعمر صفحة تُكتب بالعادات الصغيرة: لقمة، وخطوة، ونومة، وفكرة.
في الحكمة: درهم وقاية خير من قنطار علاج. وليس المطلوب أن نعيش خائفين من المرض، بل أن نعيش واعين. الرياضة ليست ترفًا، والغذاء ليس مجرد شهوة، وراحة النفس ليست ضعفًا. وقيل: صيدليتك في مطبخك، وعلاجك في عقلك. وفي هذا كثير من الحق، إذا فُهم على أنه دعوة إلى الاعتدال، لا إلى إنكار الدواء. و«لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» تذكير بأن حفظ النفس من الدين، وأن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. و«اعقلها وتوكل» قاعدة تجمع السماء بالأرض.
وفي زماننا، صارت صناعة الدواء سوقًا عظيمة، فيها رحمة وإنقاذ، وفيها منطق ربح قد لا يحب أن يتعافى المريض سريعًا. لكن لا نجعل من هذا شماعة للعجز، بل دافعًا إلى الوعي. المشافي تمتلئ، والمقابر تمتلئ، وبينهما مساحة اختيار: أن نبدأ اليوم لا غدًا. لا تحزن أيها المريض. المرض من قدر الله، والشفاء من فضله: «وإذا مرضت فهو يشفين». الدواء سبب، والدعاء سند، والصبر أجر. و«ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء»؛ علمه من علمه، وجهله من جهله. فاطلب العلاج بلا يأس، واسأل الله بلا توقف، واعلم أن لك أجرًا عظيمًا إذا احتسبت، وأن كل وجع قد يمحو خطيئة ويرفع درجة.
أيها الصحيح: لا تنتظر أن يصير كيس الدواء ظلك. ابدأ بحركة خفيفة، وطعام أقل، ونوم كاف، ونفس راضية، وفحص مبكر. لا تغيّر حياتك كلها في يوم؛ غيّر عادة واحدة، ثم أخرى. فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع. وأيها المريض: أدر مرضك بوعي، ولا تجعل الدواء تاجًا ولا المرض هوية. التزم، واسأل، وتابع، ولا تعالج نفسك بالتخمين. أحط نفسك بمن يخفف عنك، لا من يزيد همك.
المرض والصحة تقدير رب العالمين، وسننه في الخلق لا تتغير.
لكن بين التسليم والعمل مساحة كريمة. من لم يمت بمرض مات بسبب آخر، والحكمة أن نعيش ما بينهما بعافية ورضا. فلنكن من الذين يذكرون لا من الذين ينسون، ومن الذين ييسرون لا من الذين يعقدون. كل يوم بلا مرض نعمة، وكل يوم مع مرض فرصة لصبر يرفع. اللهم اجعل أوجاعنا تكفيرًا، وأدويتنا شفاءً، وأعمارنا عافية وعملًا.
صغيرًا، كنت أشفق على جدتي رحمها الله حين أزورها في بيتها الطيني، لأذوق من خبزها الذي تصنعه على الحطب كل صباح، ثم توزعه على بيوت الأسرة. كان إشفاقي من رؤية كيس الأدوية بجانبها، كظلّ لا يفارقها. ثم كبرت، فانتقل الإشفاق إلى أمي رحمها الله؛ أدراج غرفتها تكتظ بأنواع الدواء، وإلى جانبها شنطة العلاج التي لم تفارقها، وجهاز الأوكسجين الذي لم يكن يصمت.
وكبرت أكثر، فإذا كيس الدواء رفيقي. السكر، الضغط، الدهون، الكوليسترول، المسيلات، المسكنات، الفيتامينات... الخ . كل زيارة للطبيب تضيف إلى رصيدي الدوائي نوعًا جديدًا. في السفر والحل لم تعد تفارقني. ومثلي ملايين البشر: نكبر، وتدخل الأمراض من الأبواب التي تركناها مفتوحة.
لكن المرض ليس قدرًا أعمى دائمًا، ولا هو عقوبة محضة. هو رسالة متأخرة من جسد طالما نادانا بلطف. الصحة تاج لا يبصره إلا من مسّه الفقد، والشباب نار تدفئ وتحرق. نسمع النصيحة، ثم نؤجلها إلى زمن لا يعرف التأجيل. والجسد أمانة، والعمر صفحة تُكتب بالعادات الصغيرة: لقمة، وخطوة، ونومة، وفكرة.
في الحكمة: درهم وقاية خير من قنطار علاج. وليس المطلوب أن نعيش خائفين من المرض، بل أن نعيش واعين. الرياضة ليست ترفًا، والغذاء ليس مجرد شهوة، وراحة النفس ليست ضعفًا. وقيل: صيدليتك في مطبخك، وعلاجك في عقلك. وفي هذا كثير من الحق، إذا فُهم على أنه دعوة إلى الاعتدال، لا إلى إنكار الدواء. و«لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» تذكير بأن حفظ النفس من الدين، وأن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. و«اعقلها وتوكل» قاعدة تجمع السماء بالأرض.
وفي زماننا، صارت صناعة الدواء سوقًا عظيمة، فيها رحمة وإنقاذ، وفيها منطق ربح قد لا يحب أن يتعافى المريض سريعًا. لكن لا نجعل من هذا شماعة للعجز، بل دافعًا إلى الوعي. المشافي تمتلئ، والمقابر تمتلئ، وبينهما مساحة اختيار: أن نبدأ اليوم لا غدًا. لا تحزن أيها المريض. المرض من قدر الله، والشفاء من فضله: «وإذا مرضت فهو يشفين». الدواء سبب، والدعاء سند، والصبر أجر. و«ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء»؛ علمه من علمه، وجهله من جهله. فاطلب العلاج بلا يأس، واسأل الله بلا توقف، واعلم أن لك أجرًا عظيمًا إذا احتسبت، وأن كل وجع قد يمحو خطيئة ويرفع درجة.
أيها الصحيح: لا تنتظر أن يصير كيس الدواء ظلك. ابدأ بحركة خفيفة، وطعام أقل، ونوم كاف، ونفس راضية، وفحص مبكر. لا تغيّر حياتك كلها في يوم؛ غيّر عادة واحدة، ثم أخرى. فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع. وأيها المريض: أدر مرضك بوعي، ولا تجعل الدواء تاجًا ولا المرض هوية. التزم، واسأل، وتابع، ولا تعالج نفسك بالتخمين. أحط نفسك بمن يخفف عنك، لا من يزيد همك.
المرض والصحة تقدير رب العالمين، وسننه في الخلق لا تتغير.
لكن بين التسليم والعمل مساحة كريمة. من لم يمت بمرض مات بسبب آخر، والحكمة أن نعيش ما بينهما بعافية ورضا. فلنكن من الذين يذكرون لا من الذين ينسون، ومن الذين ييسرون لا من الذين يعقدون. كل يوم بلا مرض نعمة، وكل يوم مع مرض فرصة لصبر يرفع. اللهم اجعل أوجاعنا تكفيرًا، وأدويتنا شفاءً، وأعمارنا عافية وعملًا.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.