كنتَ مستعداً للقاء ربك.. ولكننا لم نستعد لفراقك

لم أكتب من قبل رثاءً في صديق، ولم أتخيّل أنني سأحتاج يوماً إلى أن أفعل ذلك. وربما لهذا لا أعرف تماماً كيف أبدأ الكتابة عنك يا سعيد. فمنذ أن بلغني خبر رحيلك المفاجئ، أشعر أن لديّ كلاماً كثيراً أريد أن أقوله لك؛ كلاماً لم يكن هناك ما يدعوني إلى قوله قبل أيام، لأنني كنت أظن، كما نظن دائماً، أن أمامنا لقاءً آخر، وحديثاً آخر، وربما سفراً آخر.لكن يبدو أن بعض الأحاديث لا يمنحنا القدر فرصة إكمالها. ولهذا أكتب إليك اليوم، لا لأرثيك بالمعنى المعتاد، ولا لأعدّد مناقبك، وإنما لأنني أشعر بحاجة إلى الحديث معك.عرفتك سنوات زميلاً في المجلس الوطني الاتحادي، ثم شاءت السنوات الأخيرة أن أقترب منك أكثر. سافرنا معاً مرات، وجلسنا وتحدثنا بعيداً عن الاجتماعات والجلسات والمناصب، وهناك تعرّفت إلى سعيد الإنسان. وكلما اقتربت منك، ازددت لك تقديراً ومحبة.ولا أجدني، يا سعيد، في حاجة إلى أن أكتب عن دورك في المجلس الوطني الاتحادي؛ فذلك معروف، ومحاضر الجلسات شاهدة على مواقفك والقضايا التي حملتها ودافعت عنها. وما أريد أن أكتبه اليوم ليس ما حفظته المحاضر، بل ما لا تستطيع المحاضر أن تحفظه: سعيد الإنسان، والصديق، ورفيق السفر.فالمواقف العامة تحفظها الوثائق، أما مواقف الإنسان فتحفظها القلوب.عرفتُ بعض ما كنتَ تفعله من خير، لكنني أدركت مع الوقت أن ما يصل إلينا منه كان قليلاً، وأن ما لم نعرفه كان، في تقديري، أكثر بكثير مما عرفناه. وأحسبك كذلك، والله أعلم بعباده وبما أخفوه من عمل صالح.ولعل هذا من أجمل ما يمكن أن يبقى للإنسان بعد رحيله: أن يعرف الناس بعض خيره، ويترك أكثره عند الله. فليس كل معروف يُروى، وليس كل عطاء يحتاج إلى شاهد من الناس؛ وقد تكون أعمال أخفاها صاحبها هي أثقل ما يجد في ميزانه حين يلقى ربه.وللصحبة في السفر باب خاص إلى معرفة الرجال. ففي السفر تتراجع الرسميات، ويظهر الإنسان في طبعه وتعامله واهتمامه بمن حوله. وكانت الأسفار التي جمعتني بك جزءاً عزيزاً من معرفتي بك؛ فقد رأيت وراء زميل المجلس أخاً وصديقاً أعتز بصحبته. واليوم أصبحت تفاصيل صغيرة كانت تبدو لنا عادية من أثمن ما تحتفظ به الذاكرة.وما أقسى أن يغيب الإنسان قبل أن نقول له كل ما يستحق أن يسمعه منا. نطمئن إلى وجود من نحب، ونحسب أن في الأيام متسعاً للقاء آخر، وحديث آخر، وكلمة تقدير يمكن أن نقولها غداً. ثم يأتي الرحيل المفاجئ ليعلّمنا أن المحبة، مهما كانت معلومة، تستحق أن تُقال.ومنذ رحيلك تعود إليّ عبارة كنت ترددها أمامي دائماً. كنت تقول، بهدوئك الذي عرفته فيك، إنك جاهز لنداء ربك ومستعد لهذا اللقاء.سمعتها منك في حياتك كما نسمع كلمات الإيمان والرضا من إنسان مطمئن القلب؛ أما اليوم فأسمعها بصورة مختلفة تماماً، وكأنك تركت لنا، من حيث لا تدري، شيئاً نستعين به على فراقك.لا أقول إنك كنت تعلم أن الرحيل قريب؛ فهذا مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. لكنني أعرف أنك كنت تقولها بطمأنينة لافتة، وأن كلماتك أصبحت اليوم من أكثر ما يواسي قلبي وأنا أفتقدك.كنتَ مستعداً للقاء ربك.. ولكننا لم نستعد لفراقك.يا سعيد، ربما كنت تعرف مقدار محبتي لك، وربما لم أقلها لك بما يكفي. واليوم أقولها: لقد كنت عزيزاً عليّ، وكان اقترابي منك في السنوات الأخيرة من الأشياء الجميلة التي منحتني إياها الحياة.وأفهم اليوم بصورة أعمق أن المناصب تنتهي، والمقاعد يشغلها غير أصحابها، وتتبدل المسؤوليات، لكن ما يضعه الإنسان في قلوب الناس يبقى. وفي نهاية المطاف، لا تكون قيمة الإنسان في الموقع الذي شغله، بل في الأثر الذي تركه حين غادره.وأنت، يا سعيد، تركت في القلب شيئاً لا تسجله محاضر الجلسات، ولا تختصره سيرة رسمية.رحمك الله يا أبا راشد. ستبقى السنوات التي جمعتنا، والأحاديث والمواقف، جزءاً عزيزاً من الذاكرة. لقد عرفتك عن قرب، وعرفت قدرك وأنت بيننا؛ أما اليوم، فأعرف كم ستفتقدك الأماكن والأحاديث التي كانت تجمعنا.وأسأل الله أن يكون اللقاء الذي كنت تستعد له أجمل مما كنت ترجو، وأن يتقبلك بواسع رحمته ورضوانه، وأن يجعل ما قدّمت من خير، ما عرفنا منه وما لم نعرف، في ميزان حسناتك.إنا لله وإنا إليه راجعون.لم أكن أريد أن أكتب لك رثاءً، وما زلت لا أشعر أنني فعلت.كل ما في الأمر أنني افتقدت صديقاً عزيزاً.. فأردت أن أتحدث معه قليلاً.*رئيس المجلس الوطني الاتحادي