في أواخر العام الماضي، لاحظ سكان نيويورك سلسلة من الإعلانات الغريبة في مترو الأنفاق، يقول أحدها: «أنجب أفضل طفل لديك». فيما أشار آخر إلى أن «معدل الذكاء وراثي بنسبة 50%». وكما كان متوقعاً، أحدثت هذه الإعلانات الصخب المطلوب منها.تقترب صناعة الإخصاب الصناعي من فتح باب جديد في اختيار صفات الأجيال المقبلة، بعدما بدأت شركات ناشئة في وادي السيليكون تسويق تقنيات لفحص الأجنة لا تقتصر على الكشف عن الأمراض الوراثية، بل تمتد إلى تقدير الذكاء والطول ومتوسط العمر ولون الشعر والعينين. ومع ذلك، يظل السؤال الأهم: هل تتحول هذه التقنيات من أداة طبية إلى سوق لاختيار «الطفل المثالي»؟مصدر تلك الإعلانات كان شركة «نيوكليوس»، التي أثارت جدلاً واسعاً آنذاك، مستندة إلى تقديرات بشأن الارتباط الوراثي بالذكاء. وتقدم شركات منافسة خدمات مماثلة، فيما تصل كلفة بعض عمليات الفحص إلى 50 ألف دولار.لكن الطريق أمام هذه الصناعة ليس ممهداً. ففي بريطانيا وعدد من الدول، يحظر استخدام فحص الأجنة لاختيار الجنس أو بعض الصفات الجسدية، كما يشكك علماء وراثة وأطباء في دقة اختبارات الصفات متعددة الجينات، ويحذر آخرون من تبعاتها الأخلاقية. وفي الولايات المتحدة، حيث البيئة التنظيمية أكثر مرونة، يتصاعد النقاش بين المؤيدين والمعارضين.في المقابل، يتدفق رأس المال على قطاع الخصوبة، مدفوعاً بمحاولات خفض كلفة الإخصاب الصناعي وتوسيع نطاق الوصول إليه. وارتفعت استثمارات رأس المال الجريء الأمريكي في شركات الخصوبة من 254 مليون دولار عام 2019 إلى 496 مليوناً في 2022.ويعتقد مستثمرون أن انخفاض كلفة الإخصاب وارتفاع معدلات نجاحه قد يفتحان سوقاً ضخمة لفحص الأجنة، تصل قيمتها المحتملة إلى 400-500 مليار دولار سنوياً.وبينما تتقدم التكنولوجيا بوتيرة متسارعة، يبدو أن المعركة المقبلة لن تكون حول قدرة العلم على اختيار صفات الأطفال، بل حول حدود ما ينبغي للعلم والسوق أن يختاراه نيابة عن الإنسان.