«كم درجتك؟».. سؤالٌ لم يعد يكفي – د.شريف بن محمد الأتربي

مساء كل يوم يصل إلى هاتف الأب إشعار قصير: «تم رصد درجة اختبار الرياضيات: 18 من 20».

يبتسم الأب، وقد يرسل لابنه رسالة تهنئة، ثم يغلق الهاتف.

عند هذا الحد تنتهي المتابعة في أغلب بيوتنا.

لكن ماذا تقول هذه الدرجة فعلًا؟ هل فهم الابن الكسور أم حفظ طريقة حلها؟ هل يستطيع أن يشرحها لأخيه الأصغر؟ وهل سيتذكر منها شيئًا بعد شهر؟

يوم الأربعاء الماضي، 30 سبتمبر، ألقى سمو ولي العهد الخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى. ومما جاء فيه أن «المواطنون والمواطنات أصل كل نجاح حققناه»، وأن نظام التعليم العام جاء «ليحقق طموحات ترفع جودة التعليم إلى مرتبة متقدمة عالميًا»، وأن الاستثمار في رأس المال البشري غايته أن يتيح للمواطنين «المنافسة والتميز في جميع المجالات».

سيقرأ المسؤولون في الوزارات هذه العبارات، وكذلك مديرو المدارس والمخططون.

ويبقى السؤال: هل يقرؤها الآباء والأمهات؟

فالذي يتنافس ويتميز في النهاية هو ابنك الجالس أمامك على مائدة العشاء، وليس الوزارة.

الدرجة صورة لحظة واحدة، تقول لك ماذا حدث يوم الاختبار، ولا تقول لك شيئًا عمّا سيحدث بعد عشر سنوات.

لم يعد المعدل وحده كافيًا في سوق العمل؛ فالكفاءة والقدرة على التطبيق أصبحتا أكثر حضورًا.

يتوقع تقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن يتغير قرابة أربعين في المئة من المهارات الأساسية التي يحتاجها العاملون قبل نهاية هذا العقد. معنى ذلك أن ما يحفظه الطالب اليوم قد يتقادم قبل أن يتخرج.

أما القدرة على التعلم والتكيّف وطرح السؤال الصحيح فلا تتقادم.

في عام الذكاء الاصطناعي: ماذا تقيس الدرجة؟

أكد الخطاب تسمية 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، وحرص القيادة على أن تكون المملكة رائدة عالميًا في تطوير تطبيقاته وحلوله.

إذا كانت الآلة تجيب عن أسئلة اختبار الرياضيات في ثوانٍ، فما قيمة درجة تقيس قدرة الطالب على استرجاع الإجابة؟ وإذا كانت تكتب موضوع التعبير في دقيقة، فهل ما زلنا نكافئ الطالب على ما تستطيع الآلة فعله بشكل أفضل؟

الذي يحتاجه أبناؤنا الآن هو ما لا تقدر عليه الآلة وحدها: الحكم، والتحقق، والإبداع، والتعاون، والسؤال الذي يسبق الإجابة.

عندما أزالت سنغافورة ترتيب الطلاب من التقارير المدرسية

سنغافورة من أكثر دول العالم تفوقًا في الاختبارات الدولية، ومع ذلك أزالت منذ عام 2019 ترتيب الطالب على صفه من شهادات المرحلة الابتدائية والمتوسطة.

لم تفعل ذلك لأنها تهوّن من التحصيل، بل لأنها أدركت أن المقارنة المستمرة تعلّم الطفل أن ينافس زميله، بدل أن يتعلم كيف يتجاوز نفسه.

كانت رسالتها للأسر واضحة: التعلم ليس سباقًا.

لا أقول إن على الآباء أن يتجاهلوا الدرجات، فهي مؤشر مهم. لكنها مؤشر واحد، وتحويلها إلى المؤشر الوحيد يربّي طالبًا يعرف كيف ينجح في الاختبار ولا يعرف كيف ينجح في الحياة.

• لو كان أمامك يوم كامل بلا مدرسة، ماذا كنت ستحب أن تتعلم؟

هذه الأسئلة لا تعطيك رقمًا، لكنها تكشف لك ما لا يكشفه أي رقم: كيف يفكر ابنك.

خطاب ولي العهد لا يخاطب الحكومة وحدها. ومن يقرأ فيه أن المواطنين «أصل كل نجاح» سيفهم أن البيت شريك في المسؤولية، وليس مجرد متلقٍّ للنتائج.

المدرسة تُدرّس، والوزارة تخطط. لكن الأسرة هي التي تحدد في ذهن الطفل ما يستحق الاهتمام.

فإذا كان كل ما يُحتفى به في البيت هو الرقم، فسيلاحق الطفل الرقم.

وإذا احتفى البيت بالمحاولة والسؤال والفهم، فسيكبر جيل قادر فعلًا على «المنافسة والتميز في جميع المجالات».

في المرة القادمة التي يصلك فيها إشعار الدرجة، لا تغلق الهاتف مباشرة.

مساء كل يوم يصل إلى هاتف الأب إشعار قصير: «تم رصد درجة اختبار الرياضيات: 18 من 20».

يبتسم الأب، وقد يرسل لابنه رسالة تهنئة، ثم يغلق الهاتف.

عند هذا الحد تنتهي المتابعة في أغلب بيوتنا.

لكن ماذا تقول هذه الدرجة فعلًا؟ هل فهم الابن الكسور أم حفظ طريقة حلها؟ هل يستطيع أن يشرحها لأخيه الأصغر؟ وهل سيتذكر منها شيئًا بعد شهر؟

يوم الأربعاء الماضي، 30 سبتمبر، ألقى سمو ولي العهد الخطاب الملكي السنوي أمام مجلس الشورى. ومما جاء فيه أن «المواطنون والمواطنات أصل كل نجاح حققناه»، وأن نظام التعليم العام جاء «ليحقق طموحات ترفع جودة التعليم إلى مرتبة متقدمة عالميًا»، وأن الاستثمار في رأس المال البشري غايته أن يتيح للمواطنين «المنافسة والتميز في جميع المجالات».

سيقرأ المسؤولون في الوزارات هذه العبارات، وكذلك مديرو المدارس والمخططون.

ويبقى السؤال: هل يقرؤها الآباء والأمهات؟

فالذي يتنافس ويتميز في النهاية هو ابنك الجالس أمامك على مائدة العشاء، وليس الوزارة.

الدرجة صورة لحظة واحدة، تقول لك ماذا حدث يوم الاختبار، ولا تقول لك شيئًا عمّا سيحدث بعد عشر سنوات.

لم يعد المعدل وحده كافيًا في سوق العمل؛ فالكفاءة والقدرة على التطبيق أصبحتا أكثر حضورًا.

يتوقع تقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن يتغير قرابة أربعين في المئة من المهارات الأساسية التي يحتاجها العاملون قبل نهاية هذا العقد. معنى ذلك أن ما يحفظه الطالب اليوم قد يتقادم قبل أن يتخرج.

أما القدرة على التعلم والتكيّف وطرح السؤال الصحيح فلا تتقادم.