من الكلمات التي تختصر خبرة السنين، وتكشف عن طبائع النفوس في مسيرة الطموح والإنجاز، قول شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ -حفظه الله-:
«ستجدُ في نفسَك يومًا من الأيام؛ أنَّ الأصحابَ يتساقطون.. كلَّما اتجهتَ إلى نجاحٍ محدَّد في هدفٍ، يتساقطُ مجموعةٌ، حتى تذهبَ إلى الهدف ومعكَ قلَّة؛ أو لا يكون معك أحد، وتصنع مجتمعاً جديداً؛ وأصحاباً جُدداً».
إنها كلمةٌ لا تُقرأ بوصفها حديثًا عن خسارة الأصحاب؛ بل بوصفها وصفًا دقيقًا لغربلة الطريق؛ فالبدايات تتَّسع لكثير من الرفاق، لأن الأحلام فيها سهلة، والحديث عنها جميل، والطريق لم يكشف بعدُ عن مشقته وتكاليفه.
فإذا بدأ الجدُّ، وطال المسير، وثقلت المؤونة، وتطلَّب الهدف صبرًا؛ وتضحيةً وثباتًا، قلَّ السائرون، ولم يبقَ إلا من صدق عزمه، وخلص ودُّه، وقويت نفسه على احتمال مشقة الطريق.
ليس كلُّ من شاركك حماسة البداية قادرًا على مرافقتك إلى النهاية؛ فمن الناس من يصحب الفكرة ما دامت أمنية، فإذا صارت تكليفًا تراجع، ومنهم من يأنس بك ما دمت قريبًا من مستواه، فإذا تقدمتَ خطوةً استثقل تقدُّمك، ومنهم من تجمعه بك مصلحةٌ عارضة، فإذا انقضت انقضى معها الودُّ.
وقد لا يكون تساقط بعض الرفاق خيانةً أو حسدًا؛ فقد تتباين الهمم، وتختلف الغايات، وتتغير الظروف، ويختار كلُّ إنسان طريقه.
والحكيم لا يسيء الظنَّ بكل من فارقه، ولا يجعل اختلاف المسارات خصومةً، بل يحفظ الودَّ، ويلتمس العذر، ويمضي إلى غايته بقلب سليم.
ومن هنا كانت شدة الطريق امتحانًا للهمم؛ كما هو امتحانٌ للصداقات؛ إذ يكشف معادن الرجال، ويميِّز رفيق المناسبة من رفيق الرسالة، وصاحب المجاملة من صاحب المبدأ:
إن بلوغ الغايات الكبرى لا يكون بالأماني، وإنما بالصبر والعمل والمجاهدة؛ قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69].
فالطريق إلى النجاح محفوفٌ بالتعب، وقد يصاحبه شيءٌ من الوحشة، وسوء الفهم، وقلة الناصر؛ غير أن صاحب الهدف لا يعجز؛ ولا يجعل كثرة المرافقين، مقياسًا لصواب طريقه، ولا يربط عزيمته ببقاء الناس من حوله، بل يستمد قوته من صدق الغاية، وحسن التوكل على الله عزوجل، والثقة بأن الثمرة تستحق الصبر.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير؛ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.
إنها وصيةٌ جامعة: حرصٌ على النافع، واستعانةٌ بالله، ومقاومةٌ للعجز؛ وهي عدَّة كل صاحب هدف حين يقلُّ الرفاق، ويطول الطريق.
لا تعني قلة الرفاق أن يستغني الإنسان عن الناس، أو ينقطع عن النصيحة والمشورة، أو يظن أنه وحده المصيب؛ فالمرء ضعيفٌ بنفسه، قويٌّ بإخوانه، والرفيق الصادق من أعظم نعم الله عزوجل.
ولكن المقصود ألا يجعل الإنسان عزيمته؛ رهينةً بتصفيق الآخرين، ولا ثباته تابعًا لكثرتهم، ولا يتخلّى عن غايةٍ نبيلة، لمجرد أن بعض أصحابه لم يواصلوا السير معه.
والنفوس الكبيرة تدرك أن بعض المراحل لا يقطعها إلا القليل؛ لأن القمم لا تتَّسع للجموع، والطريق إليها لا يحتمل أصحاب العزائم الفاترة.
قد يذهب كثير من رفاق البدايات، لكن الله عزوجل يعوِّض السائرين قلةً صادقةً، تعرف قيمة الطريق، وتؤمن بالغاية، وتشدُّ الأزر عند التعب.
وليست العبرة بكثرة من يحيطون بك من الأصحاب، وإنما بصدق من يبقى؛ فربَّ صاحبٍ واحدٍ صادقٍ؛ خيرٌ من جموعٍ تحضر عند الرخاء، وتتوارى في النائبات والشدائد.
ولذلك فإن خسارة بعض الرفاق، في أثناء السعي نحو الهدف، ليست دائمًا خسارةً محضة؛ فقد تكون كشفًا مبكرًا، وتخفيفًا لأثقال الطريق، وتعليمًا للإنسان أن يعتمد بعد الله عزوجل على عزيمته، وأن يميِّز بين من يحبُّه لشخصه، ومن يحبُّه لمكانته، ومن يصحبه حتى يبلغ الغاية، ومن لا يحتمل أن يراه يبلغها.
إن تجربة شيخنا –حفظه الله– تعلمنا أن النجاح ليس صعودًا في المنجزات وحدها، بل هو ارتقاءٌ في الوعي بالناس والحياة؛ فكلما تقدم المرء انكشفت له النفوس، وتمايزت الهمم، وبقي إلى جواره أهل الوفاء والصدق.
وحين يبلغ غايته، يدرك أن القلَّة التي ثبتت معه كانت أثمن من كثرةٍ ازدحمت حوله في البدايات.
كلَّما ارتفع الطريق قلَّ الرفاق، فلا يحزنك مَن توقف، ولا يغرَّنك مَن ازدحم حولك في البداية؛ وامضِ إلى غايتك مستعينًا بالله عزوجل، فإن صدق العزم يبلِّغ، والرفيق الصادق؛ لا تُسقطه وعورة الطريق.
من الكلمات التي تختصر خبرة السنين، وتكشف عن طبائع النفوس في مسيرة الطموح والإنجاز، قول شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ -حفظه الله-:
«ستجدُ في نفسَك يومًا من الأيام؛ أنَّ الأصحابَ يتساقطون.. كلَّما اتجهتَ إلى نجاحٍ محدَّد في هدفٍ، يتساقطُ مجموعةٌ، حتى تذهبَ إلى الهدف ومعكَ قلَّة؛ أو لا يكون معك أحد، وتصنع مجتمعاً جديداً؛ وأصحاباً جُدداً».
إنها كلمةٌ لا تُقرأ بوصفها حديثًا عن خسارة الأصحاب؛ بل بوصفها وصفًا دقيقًا لغربلة الطريق؛ فالبدايات تتَّسع لكثير من الرفاق، لأن الأحلام فيها سهلة، والحديث عنها جميل، والطريق لم يكشف بعدُ عن مشقته وتكاليفه.
فإذا بدأ الجدُّ، وطال المسير، وثقلت المؤونة، وتطلَّب الهدف صبرًا؛ وتضحيةً وثباتًا، قلَّ السائرون، ولم يبقَ إلا من صدق عزمه، وخلص ودُّه، وقويت نفسه على احتمال مشقة الطريق.
ليس كلُّ من شاركك حماسة البداية قادرًا على مرافقتك إلى النهاية؛ فمن الناس من يصحب الفكرة ما دامت أمنية، فإذا صارت تكليفًا تراجع، ومنهم من يأنس بك ما دمت قريبًا من مستواه، فإذا تقدمتَ خطوةً استثقل تقدُّمك، ومنهم من تجمعه بك مصلحةٌ عارضة، فإذا انقضت انقضى معها الودُّ.
وقد لا يكون تساقط بعض الرفاق خيانةً أو حسدًا؛ فقد تتباين الهمم، وتختلف الغايات، وتتغير الظروف، ويختار كلُّ إنسان طريقه.
والحكيم لا يسيء الظنَّ بكل من فارقه، ولا يجعل اختلاف المسارات خصومةً، بل يحفظ الودَّ، ويلتمس العذر، ويمضي إلى غايته بقلب سليم.
ومن هنا كانت شدة الطريق امتحانًا للهمم؛ كما هو امتحانٌ للصداقات؛ إذ يكشف معادن الرجال، ويميِّز رفيق المناسبة من رفيق الرسالة، وصاحب المجاملة من صاحب المبدأ:
إن بلوغ الغايات الكبرى لا يكون بالأماني، وإنما بالصبر والعمل والمجاهدة؛ قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69].
فالطريق إلى النجاح محفوفٌ بالتعب، وقد يصاحبه شيءٌ من الوحشة، وسوء الفهم، وقلة الناصر؛ غير أن صاحب الهدف لا يعجز؛ ولا يجعل كثرة المرافقين، مقياسًا لصواب طريقه، ولا يربط عزيمته ببقاء الناس من حوله، بل يستمد قوته من صدق الغاية، وحسن التوكل على الله عزوجل، والثقة بأن الثمرة تستحق الصبر.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير؛ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.
إنها وصيةٌ جامعة: حرصٌ على النافع، واستعانةٌ بالله، ومقاومةٌ للعجز؛ وهي عدَّة كل صاحب هدف حين يقلُّ الرفاق، ويطول الطريق.