«كتاب الغرفة» لعقل العويط: حين تصبح الحجرة نافذة على العالم

في «كتاب الغرفة»، يحوّل الشاعر عقل العويط مكاناً حميمياً إلى مساحة لاستعادة الذاكرة والحب والكتابة والفقدان. بين تفاصيل الحياة اليومية وتحولات لبنان الثقافية والسياسية، تتشكّل سيرة شخصية تتجاوز حدود المكان. لكن الكتاب يثير أيضاً أسئلة حول الشخصيات الأدبية التي عبرت حياة الشاعر، واختار الإشارة إليها من دون الكشف عن هوياتها

ليس «كتاب الغرفة» للشاعر عقل العويط كغيره من الكتب، وليس ما فيه من النثر والشعر كالمعهود من الشعر والنثر، وسبب ذلك أن المؤلف نفسه ليس كغيره من الشعراء. هو شاعر لغته خاصة، وأسلوبه خاص، وموضوعاته خاصة. ولا أذكر أنني قرأت كتاباً عن غرفة، وهذا ليس بغريب عن شاعر لا يشبهه أحد، «ولا يفري فريّه أحد» كما يقال في الأدب القديم. فقد سبق له أن وضع كتاباً عن حيوان هو كلبه، وسماه «كوبر». لذلك لن يستغرب من قرأ لعقل العويط من قبل أن يقرأ له كتاباً عن غرفة. لكن غرفة الشاعر هنا ليست كالغرف، ولا هي مجرد مساحة عادية من شقة خارج بيروت تطل على البحر، بل فضاء من الصور والخيالات والذكريات والمناجاة اختبرها الشاعر عبر سنوات طويلة من عمره، ودوّنها في كتاب هو أشبه بسيرة ذاتية غير مكتملة، مع ذلك يطل القارئ من نافذتها على صفحات مكثفة من حياة الشاعر. وميزة العويط في هذا الكتاب، وفي ما سبق ونشره من كتب، أنه هو ذاته، لدرجة يبدو لمن سبق أن قرأه في نتف وشذرات، ويقرأه اليوم في «كتاب الغرفة»، أن المؤلف هو ذاته، الشاعر اللبناني الثائر على كل شيء، والهائم بين الريف والمدينة.

المكان بوصفه ذاكرة حيّة

الكتاب من 184 صفحة، ومنشورات «نوفل- هاشيت أنطوان»، ويقدمه الناشر بوصفه «سيرة روائية شعرية». لكن الغرفة هنا ليست مجرد حجرة مغلقة سكنها الكاتب، بل صورة موجزة عن مساحة تتجمع فيها عناصر الوجود: المكتب، والكتب، والمكتبة، والسرير، والشرفة، والقهوة، والذاكرة، والكتابة، والحب، والوحدة، والأصدقاء، والموت، وتصبح، مع مجرى السرد، شيئاً يتجاوز الجدران والأثاث، بل جسداً آخر للكاتب، وذاكرة مادية حية من عمره. وهنا تكمن إحدى جماليات الكتاب، ذلك لأن المكان لا يحتفظ بذكريات الإنسان فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة ذاكرته، والأشياء الصغيرة التي تبدو عابرة في الحياة اليومية تتحول عند العويط إلى علامات دالة. الكتاب، والفنجان، والسرير، والنافذة، والبحر، والموسيقى، كلها تدخل في شبكة واحدة، بحيث يصعب الفصل بين المكان وصاحبه.

ومن هنا يمكن فهم بنية «كتاب الغرفة». فالعويط لا يسير في خط زمني مستقيم. الذاكرة عنده ليست أرشيفاً منظماً، بل كائن حي يقفز من لحظة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، ومن غرفة خاصة إلى مدينة كاملة، عبر مسيرة خصبة تكتنفها رحلات بين الطفولة والشباب والجامعة والصحافة والحب والكتب ولبنان والحرب. واللافت أن العويط لا يكتب عن نفسه بمعزل عن لبنان. فالذات الفردية عنده متصلة بالذات الجماعية. والغرفة التي تبدو في ظاهرها مكاناً للعزلة تصبح نافذة على الخارج، بل مرآة لبلد عاش الحلم والحرب والانكسار، وعذابات الشاعر نفسه وأحلامه وأمانيه وخيبات أمله. وهذا الانتقال من الخاص إلى العام هو أحد أهم ما في الكتاب.

عزلة الشاعر وأصوات العالم

حين يتحدث الكاتب عن غرفته، فهو لا يروي فقط تاريخ أثاث وأشياء، بل يستعيد زمناً ثقافياً: الجامعة اللبنانية، وكلية التربية، وحركة الوعي، والصحافة، و«النهار»، و«ملحق النهار» الثقافي، واللغة العربية، والكتب والموسيقى. لذلك لا تعود الغرفة مجرد مقتنيات، وإنما ذاكرة موازية لحياة شاعر يعيش بين الكتب ويعيش في أزمنة مختلفة. يقرأ الماضي، ويواجه الحاضر، ويتخيل المستقبل، ويستعيد أشخاصاً وأمكنة وأزمنة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة. ومعها يظهر المكان كعزلة مليئة بالأصوات والصور والرموز والخيالات والأشخاص الذين تركوا أثراً في حياة الكاتب، ويبدو أحياناً مكاناً للابتعاد عن العالم، ليصبح في الوقت نفسه وسيلة للعودة إليه. وعزلة الشاعر هنا عزلة انطواء وانفتاح في الوقت نفسه، وهي ليست كعزلة ميخائيل نعيمة في «شخروبه»، أي ليست انقطاعاً كاملاً عن الآخرين، بل شكل من أشكال الإصغاء إلى الذات وإلى العالم.

ومن اللافت أيضاً حضور الحب والجسد والموت في هذا النسيج. فالكتاب لا يرسم صورة مثالية للشاعر، وإنما يقدم الكائن الإنساني بما فيه من رغبات وضعف وحنين وألم. وهذا ما يمنح النص طابع الاعتراف، من دون أن يتحول هذا الاعتراف إلى مجرد فضفضة شخصية. فالتجربة الفردية تتحول باستمرار إلى سؤال أوسع: كيف يعيش الإنسان؟ ماذا يبقى من حياته؟ وكيف تستطيع الكتابة أن تنقذ شيئاً من العدم؟إن الموت حاضر في «كتاب الغرفة» بطريقة خاصة. فالمؤلف يكتب في وداع غرفته، لكن وداع المكان يتحول تدريجياً إلى تأمل في معنى الرحيل نفسه، وحين يفقد الإنسان مكاناً عاش فيه ردحاً طويلاً من الزمن، فهو لا يفقد جدراناً فحسب، بل طبقات من ذاته. ومع هذا الفقدان يصبح الانتقال من مكان إلى آخر أشبه بولادة أخرى.

شخصيات خلف الأسماء المستعارة

هناك ملاحظات آخذها على المؤلف الصديق، ولا أسوقها لتدخل في باب النقد، بل إشارة إلى ما كان يمكن أن يكون أكمل لجهة المعلومة. في الكتاب كمّ كبير من الأحاجي (الحزازير)، يحمل القارئ على أن يضرب بالرمل ليعرف، مثلًا، من هو «الصحافي الألمعي» الذي أشار إليه بطريقة غير مباشرة من دون أن يسميه، ومن هو «الشهيد» الذي يتحدث عنه في الصفحة 48 ولا يسميه. نحن نعرف أنه الراحل سمير قصير، لكن كيف لغيرنا من القراء أن يعرف، خصوصاً إذا كان غير لبناني، وليس لديه إلمام بما يدور في لبنان؟ الأمر ذاته ينطبق على «الشاعر الكبير» الذي ألمح إليه في الصفحة 26 من دون أن يسميه (أنسي الحاج)، وكذلك «الروائي الكبير» الذي ألمح إليه أيضاً في الصفحة 82 من دون أن يسميه (إلياس خوري)، وهناك مغنٍّ فرنسي لم يذكر اسمه، وبقيت هويته مجهولة لدينا، علماً أن المؤلف خالف القاعدة في الصفحة 89 حين كشف عن هوية الفنانين اللبنانيين بول غيراغوسيان وصليبا الدويهي. أما المرأة التي كتب عنها في الصفحة 91، فبقيت مجهولة. لم يُفصح عنها ولو تلميحاً، فبقي العلم بها عند الله، كما يقول الأزهريون!

سيرة أدبية تنتظر أن تُكتب

كنت أتمنى، وأقطع بأن كثيرين من القراء كانوا يتمنون، لو أن الشاعر الصديق أفرد فصلًا أو فصولًا مختلفة عن هؤلاء الشعراء والكتاب الذين عرفهم من كثب، كما فعل حين تناول موضوعات أقل شأناً وأهمية بالنسبة إلى محبي الأدب والفن، ومن ذلك ما كتبه عن كرة القدم التي أفرد لها 12 صفحة، وحديثه عن «الكاهن الجليل» الذي عرفه وأفرد له الكثير من الكلام. ولا نرمي من ذلك كله إلى الانتقاص من الكتاب، بل إلى إبداء الرغبة في أن يأتي يوم يضع فيه مؤلف «كتاب الغرفة» كتاباً عن الشخصيات الأدبية التي التقاها وعمل معها في فترات طويلة من حياته، لنقف على رأيه فيهم، كشاعر حاذق في استنباط المفردات من معدن اللغة الغريبة، ليرسم صورة عنهم مغايرة لما هو سائد. ذلك يضيف مادة حية إلى عمل النقاد والمؤرخين والمصنفين، حين يعمدون في الآتي من الأيام إلى تأريخ سيرة ذلك «الشاعر الكبير» أو ذاك، أو ذلك «الروائي الكبير» أو ذاك، والكشف عن المؤثرات التي طبعت عملهم الفني وصنيعهم الشعري، وأثرهم في حياتنا الثقافية.