كانّ 79 – “عيد ميلاد مرّ”: ألمودوفار يفتّش عن نفسه بين الفنّ والحياة

في هذا الفيلم، يعود ألمودوفار، الذي أنجز حتى اليوم 24 فيلماً طويلاً عُرض سبعة منها في كانّ وحصد عبرها جوائز متعدّدة، إلى عالمه البصري المألوف: ألوانه الفاقعة، شخصياته الواثقة التي تتكلّم بإصرار استعراضي، وموسيقاه المشبّعة بالميلودراما. القراءة الكسولة قد تدفع بنا إلى القول إنه يدور في حلقة مفرغة، مراوحاً المكان نفسه، لكن لماذا يُتَّهم السينمائيون دائماً بالتكرار، فيما لا يقف أحد أمام لوحة لفنّان تشكيلي مطالباً إياه بابتكار عالم جديد كلياً في كلّ مرة؟ بل إن ما يتكرر في أعمال الرسّام يُحتفَى به باعتباره "موتيفاً" وأسلوباً خاصاً. في النهاية، لا ينجز السينمائيون الكبار سوى فيلم واحد طوال حياتهم، هي تنويعات على اللحن نفسه. الشعراء أيضاً.لطالما امتلأت أفلام ألمودوفار بشخصيات تنتمي إلى الوسط الفنّي، وخصوصاً عالم السينما. وفي عمله الجديد، يضع نفسه في مواجهة مخرج شهير (ليوناردو سباراليا) يعيش أزمة كتابة، فيلجأ إلى استلهام سيناريوهاته من حيوات المقربين منه، من دون أن يطرح على نفسه أي سؤال أخلاقي حيال ذلك. ومن هذا الخيط البسيط، ينسج ألمودوفار فيلماً لا يكفّ عن التنقّل بين الأمكنة والأزمنة، ذهاباً وإياباً، على نحو يذكّر بأصغر فرهادي في "قصص موازية"، لكن بنتيجة أكثر إحكاماً. على الأقل، نحن هنا أمام سينمائي يعرف تماماً ما الذي يفعله، والحكمة المتأخرة باتت تظلّل أعماله.لا يأتي ألمودوفار بأي انقلاب فنّي أو طرح ثوري. إنه يعيد تدوير هواجسه القديمة، ويعود إلى الأسئلة نفسها التي شغلته دائماً، بعيداً نسبياً من الحرائق المشتعلة في العالم. مع ذلك، لا تبدو عيناه غافلتين عمّا يجري خارج الشاشة، وهو ما تجلّى في مؤتمره الصحافي حين وصف ترامب ونتنياهو وبوتين بأنهم "وحوش بشرية".وكما هي الحال غالباً في هذا النوع من الأفلام، تبدو النيّات حسنة والبنية الدرامية متماسكة في خطوطها العريضة، غير أن التفاصيل السردية التي يُفترَض بها خدمة الرؤية الأشمل - ولا سيما الحكاية الثانوية المنبثقة من خيال المخرج المأزوم داخل الفيلم - سرعان ما تبدو بلا وظيفة حقيقية سوى رفد الحكاية الأساسية وتبريرها.