كانّ 79 – “العصر الذهب”: ملحمة عن بشر ابتلعهم التاريخ

"في هذه الحكاية، أنتِ لستِ بكثير"، جملة عابرة تقولها والدة زوج جانّ، لكنها تظل عالقة كمفتاح لفهم العمل بأكمله. فهي جملة دلالية تختصر رؤية الفيلم للعلاقة بين الفرد والتاريخ. فمن خلال الفيلم، الذي يتبنّى مقاربة راديكالية للسرد والبناء، ندرك تدريجاً معنى أن تُروى سيرة شخصية داخل لحظة تاريخية مضطربة. إحساس غالباً ما يغيب عن أفلام كثيرة تدّعي الاشتغال على التاريخ، لكنها في الواقع تفصل الشخصيات عنه وتحوّلهم إلى كيانات معلّقة خارج الزمن. هنا، على العكس، تبدو كلّ شخصية في مكانها الحقيقي، وفي حجمها الحقيقي أيضاً. فمهما ارتفعت مكانة البعض أو تضخّمت أدوارهم داخل الحكاية، فإن الزمن يظلّ القوة الكبرى والأكثر قسوة، يعصف بالجميع في النهاية، ويعيدهم إلى ما هم عليه فعلاً: تفاصيل صغيرة داخل سردية تاريخية أوسع، سرعان ما تطويها الذاكرة الجماعية. نحن، بكلّ قصصنا وأفعالنا وإنجازاتنا، لا نخرج عن كوننا عناصر داخل تاريخ أكبر منّا. من هنا، فإن السياق الذي تجري فيه الأحداث هو البطل الحقيقي للفيلم، بينما تظلّ الشخصيات في حالة شدّ دائم معه: مرة يرفعها، ومرة يبتلعها.جمالياً، تبدو كلّ لقطة كأنها التُقِطت من الزاوية الوحيدة الممكنة لها. يُضاف إلى ذلك عنصر آخر: انكسار الجدار الفاصل بين المتفرج والعالم المصوَّر. فبعض الشخصيات تتوجّه بالنظر والكلام مباشرة إلى الكاميرا، في لحظات يبدو فيها أننا نُستدرَج إلى داخل المشهد. هذا التوجّه البصري يعمل كمحاولة واعية لتوريط المُشاهد في بنية السرد. النظرة نفسها تتحوّل إلى سؤال موجّه إلينا. فنحن نشاهد هذه الأشخاص من مسافة، محمّلين معرفة لاحقة عن مسارات التاريخ وانعطافاته، بينما هم يعيشون داخل زمن لا يعرف نتائجه بعد. إنهم، في جوهرهم، لا يملكون امتياز المعرفة التي نمتلكها نحن كمتفرجين، ولذلك يقفون في قلب العمى التاريخي ذاته. هكذا يولد فيلم يضع المتفرج في موقع مساءلة. يسأل عن موقعنا من التاريخ والعالم، وعن موقعنا من أنفسنا أيضاً. والأهم من ذلك: ماذا كنّا لنفعل لو كنّا جانّ؟