كانّ 79 – “أرض الأجداد”: توماس مان في ألمانيا العام صفر

والحال أن الكاتب نفسه يبدو منفصلاً، إلى حدّ ما، عمّا يحيط به. نتساءل مراراً عمّا إذا كان يؤمن حقّاً بما يقوله، أم أنه يتكلّم بدافع ضرورة أخلاقية أكثر منها قناعة. لا لأن أحداً يضع مسدساً في صدغه، وإنما لأنه عالق داخل معضلة وجودية وسياسية معقّدة. فهو لا ينتمي تماماً إلى هذا المعسكر ولا إلى ذاك، ويستحيل عليه، رمزياً، أن يفضّل "ميكي ماوس" على جوزف ستالين. بل إنه يكاد يفتح النار على الجميع بالتساوي، تماماً كما يفعل الفيلم نفسه، الذي يمرّغ الأطراف كافة في الوحل، ولكن بقدر عالٍ من التهذيب والكياسة. لا يتوقّف الفيلم عن كونه لحظة مساءلة، من دون اعترافات مباشرة، حول ما يسمّيه الألمان "الهايمَت"، أي فكرة الوطن كمكان للانتماء والذاكرة والهوية الممزّقة في آن واحد. يستند أسلوب بافليكوفسكي إلى تقشّف بصري صارم، وإلى بناء مشهدي يقوم على الاقتصاد في الحركة والحوار داخل عالم جامد ذي تكوينات مربّعة خانقة، يوازيها اختيار بصري دقيق لحجم الصورة، بما يجعل الفيلم يقترب أحياناً من منطق السينما الصامتة، حيث تصبح الصورة نفسها حاملة للمعنى، مكتفية بذاتها، ومن دون الحاجة إلى فائض الزينة البصرية التي تلجأ إليها، للأسف، أفلام كثيرة معاصرة.هذا التوجّه لا ينفصل عن المسار الذي كرّسه المخرج في أعماله السابقة، ولا سيما "إيدا" و"حرب باردة"، حيث رسّخ لغة سينمائية تقوم على الاختزال والتكثيف، وعلى الثقة العميقة بقوة الكادر. غير أن هذا الجمود الألماني البارد لا يتركه بافليكوفسكي على حاله، ولكن يطعّمه بسخرية خفيفة، وبقدر من اللؤم الأنيق الذي يتسرّب إلى الفيلم من دون أي جهد ظاهر. حتى في هذا الجانب، يبدو المخرج مكتفياً بأبسط الأدوات: جوقة موسيقية، أو مغنّية تعبر المشهد لثوانٍ قليلة، كي يفتح فجأة طبقة كاملة من المعاني والانفعالات. فحين تكون الثقة بالسينما حاضرة، يصبح بالإمكان صناعة المعجزات!ضمن هذا الامتداد، يمكن النظر إلى "أرض الأجداد" كحلقة جديدة في مشروع غير معلن يواصل بافليكوفسكي من خلاله عملية احاطة بالهوية الأوروبية ما بعد الحرب، وتتبع تصدّعاتها التاريخية والسياسية والثقافية. وما يمنح الفيلم بُعده الأعمق لا يقتصر على موضوعه فحسب، وإنما يتجلّى أيضاً في الطريقة التي يعيد عبرها تأمّل التاريخ من خلال نظرة معاصرة.