من خارج جدول الأعمال، كان أول القرارات التي أُذيعت عقب جلسة مجلس الوزراء، الخميس الماضي، وقف العمل بالأدوية المماثلة بيولوجياً (Biosimilar) المستوردة من دول غير مرجعية، وحصر شرائها بالدول المرجعية. وبدا أن السلطة أرادت من ذلك الظهور بمظهر الحريص على صحة المواطنين، بعد حادثة «مستودع غاليري سمعان». لكن ما لم يُذكر أن القرار جاء بناءً على إحالة من وزارة الصحة إلى رئاسة الحكومة، طلبت فيها وقف العمل مؤقتاً بقائمة الأدوية المماثلة، ريثما تُحدَّث شروط تسجيلها واستيرادها.وبينما كانت الوزارة تعالج الملف من زاوية علمية منذ أشهر، تحوّل النقاش إلى مواجهة سياسية وطائفية، برعاية السلطة وجوقتها من سياسيين وإعلاميين، ما دفع الوزارة إلى استباق المزايدات بطلب مصادقة مجلس الوزراء على الإجراءات التي كانت تعمل عليها.
قبل اندلاع السجال حول الأدوية المماثلة، كانت وزارة الصحة قد بدأت، منذ أشهر، ورشة لإعادة التدقيق في لوائح الأدوية المُسجّلة، بعد سنوات من تراجع الرقابة والتدقيق خلال الأزمات المتعاقبة. وكان من أول قرارات الوزير ركان ناصر الدين إعادة مراجعة ملفات الأدوية التي سُجّلت بصورة مبدئية أو طارئة، ومطالبة الشركات باستكمال مستنداتها. وأدّت المراجعة إلى إسقاط بعض الملفات غير المكتملة، فيما كشفت ثغرات في ملفات أخرى استدعت مزيداً من التدقيق، ولا سيما في الأدوية المماثلة بيولوجياً. وأثارت بعض الملفات شبهات دفعت الوزارة إلى إعادة التحقق من بياناتها وطلب فحوص إضافية.
وفي خضمّ هذه الإجراءات، برز ملف الأدوية التي استوردتها شركة «Levant Pulse» من الهند، وفازت بتوريدها عبر مناقصة الشراء العام. وعمد ناصر الدين يومها إلى تجميد هذه الأدوية في المناقصة بانتظار استكمال مستنداتها. وبحسب مصادر الوزارة، «عندما تبيّن، بعد إعادة التحقّق، أن الأوراق قانونية والمواصفات مُطابِقة لمعايير منظمة الصحة العالمية، رُفع الفيتو»، فيما استمر التدقيق في بقية الملفات.غير أن ما بدأ إجراءً علمياً وإدارياً تحوّل إلى سجال سياسي وطائفي، مع تصاعد الحملة على الوزير، بالتزامن مع دخول شركات ناشئة إلى سوق الأدوية المماثلة للأدوية الأصلية. وترى مصادر الوزارة أن هذا التطور «حرّك حرب الكارتيلات والصراع التجاري المتقاطع مع السياسة»، فانتقل النقاش «من خلل إداري في بعض جوانب الملف، تتحمل الوزارة مسؤوليته، إلى اتهامات بتسجيل أدوية لمصلحة شركات ناشئة محسوبة على جهة سياسية ينتمي إليها الوزير».
إجراءات الوزارة لتجميد الاستيراد لا تقتصر على الهند وإيران والصين وحدها كما يُروَّج
وتضيف المصادر أن مداهمة مستودع «Levant Pulse»، التي جاءت أصلاً بناءً على طلب وزارة الصحة نفسها سحب دواءين لا يستوفيان الشروط، استُخدمت لتوسيع الحملة السياسية، وصولاً إلى الترويج لقضية «الترخيص لشركات ناشئة شيعية». وبحسب المصادر، كانت الوزارة، قبل تصاعد هذه الحملة، تُعِدّ قراراً بوقف تسجيل الأدوية المماثلة واستيرادها، تمهيداً لإعادة دراسة ملفاتها وفق تحديثات منظمة الصحة العالمية. وتبيّن خلال المراجعة أن ملفات هذه الأدوية «كان يدرسها شخص واحد لا يمتلك أصلاً الخبرة اللازمة لتقييم الأدوية الحيوية»، ما أثار مزيداً من الشكوك، خصوصاً مع اكتشاف نقص في البيانات المُقدّمة من بعض الشركات.وعلى هذه الخلفية، شكّلت الوزارة لجنة متخصّصة تضم 14 أكاديمياً من الجامعات الكبرى التي تملك كليات للصحة (اللبنانية واليسوعية والأميركية وغيرها)، على أن يخضع أعضاؤها للتدريب لدى منظمة الصحة العالمية لتحديد شروط تقييم الملفات ومعايير مطابقتها.
وتشدّد المصادر على أن الإجراءات لا تستهدف شركات مرتبطة بجهة سياسية أو طائفية محددة، بل تشمل جميع الأدوية المماثلة المُسجّلة، وعددها نحو 25 دواءً، تعود إلى شركات مختلفة، بينها شركات كبرى، وتُستورد من دول عدة، لا من الهند وإيران والصين وحدها كما يُروَّج. وتضيف أن الشركات المعنية تتوزّع على جهات وخلفيات سياسية وطائفية مختلفة، وليست محصورة بطرف واحد.لكن تعليق العمل بهذه الأدوية يضع وزارة الصحة أمام تحدّي تأمين العلاجات للمرضى، وهو ما أقرّت به في إحالتها إلى مجلس الوزراء، محذّرة من احتمال حدوث «أزمة في مساعدة بعض مرضى السرطان والأمراض المستعصية في الحصول على دواء للعلاج». ولتفادي هذا الاحتمال، طلبت الوزارة موافقة الحكومة على شراء الأدوية المماثلة من الدول المرجعية التي قدّمت الأسعار الأدنى في مناقصة الشراء العام، واللجوء إلى الأدوية الأصلية (Brand) عند تعذّر تأمين البدائل.
وبحسب تقديرات الوزارة، يُفترض أن يتيح هذا الإجراء حصر النقص المحتمل بفترة لا تتجاوز شهراً، ريثما تُؤمَّن الأدوية من الدول المرجعية. غير أن هذا الخيار سيرفع كلفة الفاتورة الدوائية، ما دفع الوزارة إلى طلب اعتمادات إضافية لتغطية الفارق. وقد وافق مجلس الوزراء على الطلب، من دون تحديد سقف لهذه الزيادة.