في لحظة دولية شديدة التعقيد، وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة القبرصية نيقوسيا، في 24 أبريل 2026، للمشاركة في اجتماع تشاوري رفيع المستوى يجمع قادة من الدول العربية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، ضمن قمة أوروبية غير رسمية تستضيفها قبرص للمرة الأولى.
ويمثل هذا الاجتماع، الذي يمتد على مدار يومي 23 و24 أبريل، منصة استراتيجية لتنسيق الرؤى بين ضفتي المتوسط، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد التحديات الأمنية والاقتصادية عالميًا.
ينعقد الاجتماع في وقت تشهد فيه الساحة الدولية أزمات متشابكة، أبرزها استمرار الحرب الروسية الأوكرانية للعام الرابع، إلى جانب التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما ترتب عليها من تداعيات خطيرة على أمن الطاقة العالمي.
كما يكتسب إغلاق مضيق هرمز أهمية خاصة في المناقشات، بعد أن تسبب في ارتفاع تكاليف الطاقة بنحو 22 مليار يورو خلال فترة قصيرة، ما أعاد طرح ملف أمن الممرات البحرية كأولوية مشتركة بين أوروبا والعالم العربي.
تركز أعمال الاجتماع على مجموعة من الملفات الحيوية، في مقدمتها:بحث تفعيل آليات الدفاع الأوروبي المشترك، خاصة المادة 42/7 من معاهدة لشبونة.مناقشة دعم أوكرانيا بحزمة مالية تصل إلى 90 مليار يورو.تعزيز التعاون في حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوط الطاقة.عقد جلسات مغلقة وغداء عمل مع قادة المنطقة لبحث سبل خفض التصعيد الإقليمي.وتعكس هذه الأجندة تحولًا واضحًا في مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه الشرق الأوسط، من شريك اقتصادي إلى طرف فاعل في معادلات الأمن الإقليمي.
يشارك في الاجتماع عدد من القادة العرب بدعوة من الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.عربيًا:مصر: الرئيس عبد الفتاح السيسيالأردن: عبد الله الثاني بن الحسينلبنان وسوريا: على مستوى الرؤساءدول الخليج: ممثلة عبر الأمين العام لمجلس التعاون جاسم محمد البديويأوروبيًا:قادة معظم الدول الـ27 في الاتحاد الأوروبيرؤساء المؤسسات الأوروبيةمشاركة رمزية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي
يحظى الدور المصري بثقل واضح خلال القمة، حيث من المقرر أن يلقي الرئيس السيسي كلمة يستعرض فيها رؤية القاهرة لتحقيق التهدئة الإقليمية، ودعم الاستقرار الدولي، وتعزيز الشراكة مع أوروبا.كما يعقد الرئيس عددًا من اللقاءات الثنائية مع قادة ومسؤولين أوروبيين وعرب، لبحث ملفات التعاون المشترك، خاصة في مجالات الطاقة، والأمن الغذائي، ومكافحة الهجرة غير الشرعية.وتعكس هذه التحركات استمرار تموضع مصر كوسيط إقليمي فاعل، قادر على الربط بين المصالح العربية والأوروبية في لحظة دقيقة من التحولات الدولية.خامسًا: أبعاد استراتيجية تتجاوز الاجتماعيمثل اجتماع نيقوسيا نقطة تحول في طبيعة العلاقات العربية–الأوروبية، حيث يرسخ معادلة جديدة تقوم على:“أمن الشرق الأوسط = أمن أوروبا”الأهمية الجيوسياسية:أول قمة عربية–أوروبية غير رسمية تستضيفها قبرصتعزيز الربط بين أمن الطاقة والاستقرار الإقليميدفع أوروبا نحو دور أمني مباشر في المنطقةالفوائد الاقتصادية والأمنية:فتح آفاق جديدة للاستثمار في الطاقة والبنية التحتيةحماية الممرات البحرية الحيويةدعم الأمن الغذائي وسلاسل الإمدادتعزيز الشراكة المصرية–الأوروبية الشاملة منذ 2024، بتمويلات تصل إلى 7.4 مليار يورو
في النهاية يأتي اجتماع نيقوسيا في توقيت حاسم، ليعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمات لم تعد محلية أو إقليمية، بل أصبحت مترابطة على نحو يفرض شراكات عابرة للحدود.
وفي هذا السياق، تبرز مصر كأحد الأعمدة الرئيسية في صياغة توازنات جديدة، تسعى إلى احتواء التوترات، وتأمين المصالح المشتركة، وبناء شراكة استراتيجية أكثر عمقًا بين العالم العربي وأوروبا في مواجهة عالم يزداد اضطرابًا.