عندما يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الصيني شي جين بينغ في بكين، سيكون اللقاء بمثابة صورة عصرية للمواجهات الفردية بين القادة التي عرفها التاريخ. وتبدو هذه القمة المنتظرة تحديدا كمواجهة بين قوتين جيوسياسيتين عملاقتين. ومع وصول العلاقات الأميركية الصينية إلى مفترق طرق، يأتي كل من ترمب وشي إلى طاولة المفاوضات متحررا من الكثير من القيود المؤسسية وممتلكا لسلطة شخصية واسعة، وطموح واضح لتشكيل المرحلة المقبلة من العلاقات الأميركية الصينية. وقد تجاهل ترمب إلى حد كبير آراء خبراء الشأن الصيني المحيطين به، أو همشهم، أو تجاهلهم، بينما يعد شي الشخصية الأبرز في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني. كما يزيد من أهمية القمة القادمة إصرار الزعيمين على عقدها رغم أن حرب إيران المستمرة مازالت تمثل معضلة سياسية لكليهما. فإيران تبدو لترمب كأنها مستنقع الشرق الأوسط الذي وعد ناخبيه بتجنبه، بينما يستقبل شي الزعيم الأميركي الذي يفرض حصارا على إيران أحد أقرب حلفاء الصين. في الوقت نفسه يعتزم الزعيمان اختبار قوتهما في ساحة معركة، حيث يشمل الصراع الريادة العالمية في التكنولوجيا، والمسارات المحتملة للحرب الأميركية ضد إيران، وتوازن القوى الإقليمية في آسيا، ووضع تايوان. مع ذلك، لا يزال هناك قدر كبير من عدم اليقين بشأن ما إذا كان هذا الاجتماع سيكون شكليا أم سيحدث تحولا جذريا. على عكس القمم الأميركية الصينية السابقة، التي كان يسبقها الكثير من التخطيط والتنسيق بين الموظفين والمستشارين، تأتي القمة المنتظرة كلقاء مباشر بين الزعيمين لكي يحسمان الكثير من الأمور بنفسيهما. كما أن العوامل الرئيسية المؤثرة في القمة لا تتعلق كثيرا بمزايا أو معايير كل بند من بنود جدول الأعمال، بل بخصائص وخبرة الرجلين. ويجهز ترمب، على وجه الخصوص، ورقة رابحة غير متوقعة، ويخشى البعض أن تؤدي سياسته غير المتوقعة تجاه الصين، دون قصد، إلى دفع الولايات المتحدة لتقديم تنازلات واسترضاء غير مقبول. لذلك سيتابع المراقبون، كما فعلوا في لحظات المواجهات الفردية الشهيرة عبر التاريخ، موقف كل طرف وتصريحاته بحثا عن دلائل تشير إلى الخسائر التي تكبدها كل طرف والهجمات التي تم صدها خلف الأبواب المغلقة. وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية قال كورت كامبل الشريك المؤسس ورئيس مجلس إدارة "ذا آشيا جروب" للاستشارات إنه على الرغم من الاختلافات الهائلة بين ترمب وشي والنظام السياسي في الصين والولايات المتحدة يشترك الزعيمان في إيمان راسخ بالسلطة المركزية، وشكوك عميقة، تجاه الليبرالية الدولية، والتزام بتعزيز المصالح الوطنية على حساب المصالح متعددة الأطراف. كما أن العلاقة الشخصية بين ترمب وشي لها أهمية بالغة في ظل استعدادهما للمواجهة. خلال ولاية ترمب الأولى، بنى الزعيمان علاقة تراوحت بين الود والمواجهة. وكثيرًا ما أشاد ترمب بشي على المستوى الشخصي، حتى مع تصاعد الخلافات السياسية وتفاقمها خلال أزمة جائحة فيروس كورونا عام 2020. كما أظهر شي في نهاية المطاف قدرة على التواصل مع ترمب من خلال الإطراء والإيماءات الرمزية، مع الحفاظ على موقف حازم بشأن قضايا جوهرية مثل تايوان. وبالنسبة لمن يبحثون عن وضوح في العلاقات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، يعد الغموض الاستراتيجي في السياسة الصينية أمرا محبطا للغاية. لكن هذا الغموض لا يخلو من مزايا، فهو رغم كل شيئ يبقي الصين في حيرة من أمرها بشأن نوايا واشنطن. وخلال ولاية ترمب الأولى، لم يكن هناك بلد أقل استعدادا من الصين لمواجهة موجة عدم القدرة على التنبؤ بالسياسات. وقد جاءت اللحظة الفارقة عندما زار شي ترمب لأول مرة عام 2017. فبمجرد وصول الزعيم الصيني إلى مارالاجو، شنت الولايات المتحدة هجوما صاروخيا واسعا على سورية؛ وظل أعضاء الوفد الصيني في حيرة وهم على متن طائرتهم متجهين إلى واشنطن في محاولة لفهم توقيت ومعنى العمليات العسكرية الأميركية في سورية. في الوقت نفسه يتمتع شي جين بينغ بوضعٍ أكثر ثباتا في ولاية ترمب الثانية. فقد رد على ما يُسمى بالرسوم الجمركية الكبيرة التي فرضها ترمب على الواردات الأميركية التي أطلق عليها "يوم التحرير"، بدقة متناهية أبرزت نقاط الضعف الأميركية وأرغمت الإدارة الأميركية على التراجع. مع ذلك، وبينما يبدي المحاورون الصينيون ثقة ضمنية بشأن الآفاق العالمية الأوسع خلال رئاسة ترمب، فإن لديهم قلق بشأن ما قد يفعله ترمب تحت الضغط. فهم يُدركون أنه لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وأنه لا يزال بإمكانه إلحاق ضرر كبير بمصالح بلادهم، لذلك سيتحرك شي بحذر لتعظيم مكاسبه على المدى القريب دون إثارة رد فعل من جانب ترمب قد يعرض أهدافه الأوسع للخطر. في الوقت نفسه ينطوي الغموض الاستراتيجي على مزايا سياسية داخلية لترمب أيضا. ففي الكونغرس، يمنح نهج ترمب المتقلب أملا كافيا في تغيير المسار، ما يُسهم في كبح جماح انتقادات الجمهوريين لما يعتبرونه تساهلا تجاه بكين. وتتسع دائرة السياسة الأميركية تجاه الصين لتشمل مسؤولين كبارا يركزون فقط على إبرام الصفقات التجارية، إلى جانب الذين يؤمنون بأن الصين تشكل تهديدا وجوديًا للولايات المتحدة. ورغم أن هذا الصراع الداخلي قد يؤدي إلى قصور بيروقراطي وإحباطات شخصية، فإنه يبقي جميع الخيارات مطروحة. مع ذلك، فإن مخاطر هذه الاستراتيجية تفوق عوائدها. فالغموض الاستراتيجي يثير قلقا كامنا لدى حلفاء الولايات المتحدة وشركائها من احتمال ميل استراتيجية واشنطن نحو التوافق مع بكين، أو حتى استرضائها بشكل متزايد. في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، ركزت استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ على تعزيز التضامن بين الحلفاء وتطوير قدرات عسكرية وتكنولوجية كافية لمواجهة الصين بفعالية. وإذا تخلت الولايات المتحدة عن هذا النهج، سيجد شركاؤها أنفسهم بلا سند قوي وبخيارات محدودة. وينهي كامبل الذي عمل كنائب وزير الخارجية الأميركي ومنسق شؤون المحيطين الهندي والهادئ في مجلس الأمن القومي خلال ولاية بايدن بالقول إنه لهذا السبب، يمثل لقاء ترمب وشي أكثر بكثير من مجرد لقاء دبلوماسي روتيني. إنه اللقاء الأكثر أهمية حتى الآن بين زعيمين أعادت أساليبهما الشخصية، ودوافعهما السياسية، وطموحاتهما العالمية تشكيل العلاقات الدولية. لذلك على المراقبين الساعين إلى فهم حقيقة القمة تجاوز البيانات الرسمية والإيماءات الاحتفالية لفهم الإشارات الاستراتيجية الأعمق الكامنة في هذا التفاعل. ولا يقتصر اللقاء على نتائج السياسات المباشرة أو مخرجات القمة فحسب، بل يتعلق بتحديد المواقع، والنفوذ، ومسار التنافس بين القوى العظمى على الساحة العالمية. إنه صراع فردي في عصر التكنولوجيا. شي جين بينغ