قمة الرياض.. التقنية الحيوية الطبية من أعماق البحر إلى آفاق الفضاء – د. رنا بنت عبدالله  الغامدي

تحت شعار «بناء أسس التميز في التقنية الحيوية الطبية» وبرعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تعود القمة العالمية للتقنية الحيوية الطبية إلى الرياض في نسختها الرابعة، بتنظيم من وزارة الحرس الوطني ممثلة بالشؤون الصحية، وجامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، ومركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية، وبالشراكة مع وزارة الاستثمار، ومنظومة من الجهات ذات الخبرات العلمية المحلية والعالمية.

عادت القمة لتستعرض أحدث ما وصلت إليه التقنية الحيوية الطبية، من الاكتشاف في المختبر، إلى التطبيق السريري، والتراخيص والتصنيع والاستثمار والوصول إلى السوق، وهنا فعلاً قصرت المسافة بيننا وبين العالم، فقبل سنوات، كان الاستماع إلى أسماء علمية بهذا المستوى يعني غالبًا رحلة طويلة إلى مؤتمرات مرموقة في أوروبا أو أمريكا، والآن أصبحت الرياض ملتقى تجتمع فيه الجامعات والمراكز البحثية والشركات والمستثمرون والهيئات والمبتكرون من أنحاء العالم مع أصحاب القرار تحت سقف واحد.

وحتى المهتم بهذا المجال ممن لم تسمح له الظروف بالحضور استطاع متابعة جميع تفاصيل القمة عبر البث المباشر لجلساتها، وهذه ليست، في رأيي، مجرد خدمة تنظيمية، بل رؤية سديدة من المنظمين سمحت باتساع دائرة المعرفة من الرياض إلى كل العالم.

التقنية الحيوية لم تعد مجالًا علميًا محصورًا في المختبر، وإنما أصبحت أحد محركات ما يُعرف اليوم بالاقتصاد الحيوي (Bioeconomy)، والمملكة أعلنت بوضوح أنها تريد أن تكون لاعبًا فاعلًا فيه. فالاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية تستهدف أن تصبح المملكة مركزًا رائدًا في المنطقة بمساهمة تتجاوز 34.6 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 3 % من الناتج المحلي غير النفطي بحلول 2040.

وفي إحدى جلسات القمة، عُرضت تقديرات تضع قيمة سوق الدواء السعودي عند نحو 15.3 مليار دولار في 2026، مع توقع وصولها إلى نحو 20.8 مليار دولار بحلول 2030. وفي عرض آخر، أشير إلى أن نحو 36 % من الأدوية المستهلكة في المملكة تُنتج محليًا. وهي أرقام عُرضت استنادًا إلى مصادر سوقية مختلفة، لكنها تكشف بوضوح أن السوق كبيرة ومتنامية مع مساحة واسعة للتصنيع والتوطين. والمملكة لا تستهدف أن تكون سوقًا تستقبل التقنية الحيوية عبر استقطاب مصنع أو نقل خط إنتاج فحسب. وهذا ما جعل حضور الجهات الحكومية والتنظيمية والبحثية والصناعية والاستثمارية في القمة مهمًا؛ فالاقتصاد المبني على التقنية الحيوية هو منظومة تبدأ بالعلم، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى رأس المال والتصنيع وسلاسل الإمداد للوصول إلى السوق.

من قلب الخلية ومن عمق البحر إلى آفاق الفضاء

في قاعة واحدة يمكن أن يبدأ الحديث من قلب الخلية ومكوناتها الجينية والبروتينات والمناعة والعلاج الخلوي والجيني، ثم ينتقل الحوار إلى الذكاء الاصطناعي واكتشاف الأدوية والهندسة الحيوية والبيولوجيا التركيبية، وصولًا إلى الصناعة والاستثمار.

وفي جلسة أخرى، يأخذنا البرنامج خارج الغلاف الجوي مع حديث رائدة الفضاء والباحثة السعودية ريانة برناوي، وإلى بُعد آخر من البحث العلمي عبر برنامج الجاذبية الحيوية (BioGravity). فأبحاث الجاذبية الصغرى ليست ترفًا علميًا مرتبطًا باستكشاف الفضاء فحسب، بل تفتح مجالات للبحث في المناعة والسرطان والخلايا الجذعية وطول العمر، والقائمة أكبر من أن تتسع لها مساحة المقال.

ثم يأخذنا البرنامج إلى موضوعات التقنية الحيوية البحرية والاقتصاد الحيوي الأزرق، وهو مجال يفتح الباب أمام استثمار التنوع الحيوي البحري في اكتشاف المركبات والمنتجات الطبيعية، والتطبيقات الدوائية، والغذائية، والصناعية. فلدينا البحر الأحمر والخليج العربي الغني بالتنوع الحيوي والكائنات الدقيقة والطحالب والموارد الطبيعية التي يمكن تسخيرها علمياً واقتصادياً.

بناء القدرات الوطنية في صناعة التقنية الحيوية

ومع هذا التنوع المذهل في مجالات التقنية الحيوية يبرز السؤال المهم: من سيعمل في هذه المنظومة ويقود صناعتها؟ فبناء صناعة وطنية للتقنية الحيوية لا يتحقق بالمختبرات والمصانع والاستثمارات وحدها، بل يحتاج إلى كوادر وطنية تمتلك المهارات التي تمكنها من تشغيل هذه الصناعة وإطلاق خطوط الإنتاج. فالجامعات السعودية تمتلك اليوم تراكمًا بحثيًا كبيرًا، والتحدي في المرحلة القادمة ليس فقط زيادة عدد الأبحاث، وإنما بناء الجسور التي تنقل هذه المعرفة إلى المجتمع والاقتصاد والصناعة.

فإذا كانت الاستراتيجية الوطنية تستهدف 55 ألف وظيفة نوعية في التقنية الحيوية بحلول 2040، فإن بناء المصانع يجب أن يسير بالتوازي مع بناء الكوادر البشرية السعودية المؤهلة للعمل فيها. فالآلة يمكن شراؤها، وخط الإنتاج يمكن إنشاؤه، على النقيض من المعرفة التشغيلية المتراكمة والتي تعتمد على الإنسان القادر على تطويرها.

الأكاديمية الوطنية للتقنية والصناعات الحيوية

وأضع هنا مقترح «الأكاديمية الوطنية للتقنية والصناعات الحيوية»، لتكون منصة وطنية للتدريب والتأهيل التطبيقي وجسرًا بين الجامعة والمصنع لبناء القدرات في التقنية الحيوية والتصنيع الحيوي.

وهو مقترح سبق أن تقدمت به إلى عدد من الجهات الوطنية، بدءًا من الجامعة، إلى الهيئة المعنية بالبحث والتطوير والابتكار وأيضاً قطاع تنمية القدرات البشرية بوزارة الصناعة.

ولدينا نموذج وطني ناجح يمكن الاستفادة من فلسفته، وهو أكاديمية الطاقة والمياه، وهي مؤسسة تدريبية متخصصة في بناء برامج للتأهيل التقني والمهني مرتبطة باحتياجات سوق العمل، لإعداد الكفاءات للعمل الفعلي في منشآت الطاقة والمياه، ولا سيما في مجالات التشغيل والصيانة والوظائف الفنية.

وعلى نهج مشابه، يمكن أن تُبنى الأكاديمية الوطنية للتقنية والصناعات الحيوية بالشراكة بين الجامعات ومراكز الأبحاث ومصانع الأدوية واللقاحات وشركات التقنية الحيوية والجهات التنظيمية والمستثمرين.

على أن تستهدف الوظائف التي سيحتاجها قطاع التقنية الحيوية السعودي خلال السنوات الخمس والعشر المقبلة، مع المهارات الدقيقة التي تتطلبها كل وظيفة.

ويمكن أن تُبنى برامج الأكاديمية وفق الأولويات الأربع للاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية: اللقاحات، والتصنيع الحيوي والتوطين، والجينوم، وتحسين زراعة النباتات؛ لإعداد الكفاءات التي تحتاجها هذه المجالات، من خلال برامج تطبيقية تشمل التصنيع الحيوي وإنتاج اللقاحات والمستحضرات الحيوية والجينوم والعلاجات المتقدمة، إلى جانب الجودة والشؤون التنظيمية والسلامة الحيوية ونقل التقنية، وبرامج قصيرة لتطوير الباحثين والعاملين في القطاع، مع جعل التدريب العملي داخل المصانع والمختبرات ومرافق الإنتاج جزءًا أساسيًا من التأهيل.

فبناء صناعة سعودية للتقنية الحيوية يجب أن يسير بالتوازي مع بناء الكفاءات الوطنية القادرة على تشغيلها وتطويرها وقيادتها.

لقد أصبحت الرياض اليوم مكانًا يأتي العالم إليه؛ تلتقي فيه القامات العلمية والخبرات الدولية بالقدرات الوطنية، والجامعة بالصناعة، والفكرة برأس المال، والباحث بصانع القرار.