.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
في عالم الطفولة، حيث القلب صفحة بيضاء والعقل أرض خصبة، تزرع القصص بذور الشخصية والقيم. لكن هذه البذور ليست كلها زهوراً عبقة، فبعضها يحمل شوك الأفكار المشوّهة والنماذج المضللة. وفي عصر طغت فيه الوسائط الرقمية، أصبح انتقاء القصص وتوجيه رسائلها مسؤولية تربوية بالغة الدقة، لأن ما يبدو حكاية بريئة قد يتحول إلى أدب خفي يغرس في اللاوعي صوراً عن الذات والآخر والحياة.ليست المشكلة في الخيال نفسه، ولا في الحكاية الشعبية بوصفها رمزاً إنسانياً عميقاً، بل في القراءة الحرفية التي يتلقاها الطفل من دون مرافقة، وفي الاقتباسات التجارية التي تختزل المعنى وتحوّل الحكاية إلى وصفة استهلاكية. فهناك فرق بين حكاية شعبية تحمل صراع الخير والشر وتاريخاً من الرموز، وبين إنتاجٍ بصري يكرّس صورة المرأة الضحية التي تنتظر المنقذ، والرجل المنقذ الذي لا همّ له سوى إنقاذ الأميرة بمعيار جمالها لا فضائلها. كما تقدّم قصص كثيرة الشخصيات الشريرة بملامح جسدية معينة، فيزرع ذلك في اللاوعي ترابطاً خفياً بين القبح الأخلاقي والقبح الشكلي، ويظل الطفل أسير نمطية تقول له: الجميل خير، والقبيح شرير.والخطر الأكبر لا يتوقف عند الصور النمطية، بل يمتد إلى القيم المادية المشوّهة التي ينقلها بعض القصص، ومنها "سندريلا" في صورتها التجارية الشائعة. ففي سباقنا الصاروخي نحو العصر المادي، تتحول هذه القصص إلى أدوات تكرّس التفاهة وتغيّب المعنى. لم يعد فارس الأحلام يُقاس بأخلاقه أو شهامته أو تقواه، بل بثروته وقصره وعربته. وانتقلت العدوى إلى الفتيات، فأصبح الحفل هو الغاية، وما يُنفق على الفستان والمجوهرات هو مقياس النجاح. واختُزلت السعادة في يوم الزفاف، وكأن الحياة تتوقف عند لحظة الحفل، ونحن نتناسى مسؤوليات الزواج وتحدياته وما يأتي بعد "وعاشوا في سعادة دائمة". إنها رسالة شديدة الخطورة تختزل مفهوم الزواج باحتفال استهلاكي، وترسّخ فهماً قاصراً للسعادة كحدث لا كمسيرة.ثم تأتي فكرة الحل السحري لتزيد الطين بلة، بحيث تظهر الساحرة لتغيّر الواقع بلمسة عصا. إنها تقدّم وعداً كاذباً بأن النجاح يأتي من دون كدّ، والتحول يحدث بمعجزة، لا بالتخطيط والعمل الجاد. وهذا يرسّخ في عقل الطفل اتكاليةً شديدة الخطر، وينتزع منه الإيمان بأهمية السعي الشخصي والصبر على الشدائد. وليست المشكلة في وجود السحر داخل الحكاية كرمز خيالي فحسب، بل في تلقيه حرفياً من دون تأويل، حتى يصبح الطفل منتظراً عصاً سحرية تصلح حياته، بدل أن يدرك أن التغيير الحقيقي يبدأ من داخله ومن جهده.ولا تتوقف الآثار عند القيم، بل تمتد إلى السلوك والقدرات العقلية. فكثير من القصص التقليدية يعجّ بمشاهد العنف والعقوبات القاسية التي تسبب رعباً حقيقياً للأطفال، ويزرع في لاوعيهم مخاوف مرضية. وعندما يعتاد الطفل تلقّي القصص بشكل سلبي، فإنه يفقد تدريجاً قدرته على التساؤل والتحليل والنقد، وينتج من ذلك جيل يستهلك الأفكار من دون تمحيص، ويتبنى القيم من دون تدبّر.إن قصة "سندريلا"، على رغم ما تحمل من رسائل عن الصبر والتحمّل، تحمل في طياتها سُماً قيمياً إذا قُرئت قراءة سطحية. فالأمير لم يتزوج سندريلا لفضيلتها أو صبرها، بل لجمالها الذي عرضته عليه بلا حياء، وهذه الفتاة سندريلا في قصره، وهي صورة مختزلة للعلاقة بين الرجل والمرأة. كما أن الخلاص جاء بالاحتفال، وكأن الزفاف نهاية المطاف، بينما الواقع أن الزواج هو البداية الحقيقية لرحلة من المسؤوليات والتحديات. ثم كان ظهور الساحرة المنقذة هو الحل الوحيد، مما يلغي دور الفرد في صناعة تحرره ومستقبله.لكن النقد لا يعني الإلغاء، بل يعني إعادة القراءة. ففي قلب هذا النقد، لا بد من أن نترك باب الأمل مفتوحاً على مصراعيه، ونزرع في عقول أطفالنا بذور التمكين الحقيقي. فالحكايات ليست سجوناً للأفكار، بل يمكن أن تكون حقولاً خصبة لزراعة الرؤى الإيجابية، إن أحسنّا صياغتها. لنتخيل معاً "سندريلا" التي لا تنتظر من ينقذها، بل تتعلم فنون التصميم في صمت، وتؤسس مشغلها الصغير، وتصنع من موهبتها جسراً نحو استقلالها. ولنتخيل الأمير الذي لا يبحث عن فتاة بحذاء زجاجي، بل عن شريكة حياة تمتلك رؤية ورسالة، فيلتقيان في معرض لأعمالها بدلاً من قاعة الرقص. إن التحول الجوهري ليس في تغيير نهاية القصة، بل في تغيير البوصلة الداخلية التي توجّه أطفالنا. لنعلّمهم أن السعادة ليست محطة نصل إليها، بل رحلة نعيشها، وأن الزواج ليس غاية تختزل بحفل زفاف، بل بداية لشراكة إنسانية نبيلة تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون في بناء أسرة تكون لبنة صالحة في مجتمع صالح.وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل سأل أطفال هذا الجيل: ماذا حدث لسندريلا بعد الزفاف؟ هل أنجبت أطفالاً؟ هل أصبحت جدة؟ هل واجهت تحديات في حياتها الزوجية؟ لماذا لم نسأل هذه الأسئلة؟ لقد ركزنا على الورد فقط، بينما القصد المهم هو بناء الأفكار حول أن الزواج ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء أسرة سعيدة. إن إخفاء ما بعد "العيش في سعادة دائمة" يخلق توقعات غير واقعية لدى الأطفال عن الحياة الزوجية، ويجهّزهم لصدمة الواقع عندما يكتشفون أن الزواج يتطلب جهداً ومثابرة وتضحية.لذلك، نحتاج إلى قراءة واعية. فلنختر القصص التي تعزّز القيم الإيجابية الحقيقية: الجدية، الاجتهاد، التعاون، والتسامح. ولنقرأ قراءة تفاعلية ناقدة، لا ندع القصة تتحدث وحدها، بل نقاطعها بأسئلة: لماذا ساعدت الساحرة سندريلا؟ ماذا كان يمكن أن تفعل لو لم تظهر الساحرة أو المشعوذة؟ هل أحب الأمير سندريلا لصفاتها أم لجمالها؟ ماذا حدث بعد الزواج؟ ولنُعِدْ كتابة القصص التقليدية عند الحاجة، فلا حرج أن نروي لطفل أن سندريلا تعلمت حرفة وأصبحت تصمّم الأزياء، فالتقت الأمير في معرضٍ لأعمالها، أو أنها أصبحت أماً واجهت تحديات في تربية أطفالها وتغلبت عليها بحكمتها. ولنقدّم مزيجاً من القصص الخيالية والواقعية، وقصص البطولة الحقيقية عن العلماء والمخترعين والمصلحين. ولنستخدم القصص جسوراً لمناقشة واقع الحياة، ونبيّن أن السعادة الحقيقية ليست في اللحظة بل في الرحلة، وأن الزواج الناجح يحتاج إلى عمل دائم وتعاون.في زمن تطغى فيه المادة على المعنى، وتُختزل فيه الأحلام بالصور والاستهلاك، يجب أن نكون حراساً لأفكار أطفالنا. القصة يمكن أن تكون جسراً إلى عالم جميل، أو معبراً إلى وهم محفوف بالخطر. لننتقِ بحكمة، ولنقرأ بوعي، ولنصنع من أدب الأطفال ساحةً لزرع الفضائل، لا لتكريس التفاهة. فغداً سيكبر هؤلاء الأطفال، ويصبحون آباء وأمهات، وحينها سيجنون ما زرعناه في عقولهم وقلوبهم من قيم، سواء كان سمواً بالغاً أو هبوطاً مدوياً.
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.