قصر الإمارة التاريخي .. وحكاية نجران

في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. تقع منطقة نجران في الجنوب الغربي من المملكة العربية السعودية، على مفترق الطرق القديمة التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بشمالها. وكانت ممرًا لقوافل التجارة، وتجمع في أرضها بين الواحة الخضراء ووادي نجران الفسيح والجبال الصخرية التي نقش عليها الأولون رسومهم. ولهذا اجتمعت فيها طبقات من الحضارات تتجاور على أرض واحدة: نقوش صخرية، وآبار قديمة، ومواقع أثرية عريقة، وبيوت طينية تتصاعد بجدرانها كالهرم الناقص. وتحمل نجران في ذاكرتها مواقع مثل أخدود، ومنطقة حمى الثقافية ونقوشها الصخرية المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2021، إلى جانب عمارتها التقليدية التي تجلت في بناء المداميك الأفقية، حيث يتراوح ارتفاع الواحد منها بين 30 و40 سنتيمترًا، ويُرص بعضها فوق بعض حتى يغدو المبنى مخروطيًا في شكله العام، وتزينه من الخارج زخارف بارزة تميز الطراز النجراني. وفي إطار الحفاظ على هذا الإرث، جرى إعادة تطوير مراكز المدن التاريخية في المملكة، ومنها الوسط التاريخي لمدينة نجران، وإبراز القصور والمقار التي أمر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه بإنشائها أو نزل فيها، وتأهيلها لتصبح مراكز ثقافية حضارية ومتاحف تستقطب الزوار. ومن أبرز هذه المباني قصر الإمارة التاريخي، الواقع في وسط المدينة القديمة بحي أبا السعود، وهو من أشهر المباني التراثية في المنطقة ونموذج فريد للعمارة التقليدية فيها. وقد غدا هذا القصر الشاهد الأوضح على مرحلة تأسيس الدولة في الجنوب، حين كانت الإمارة تدير شؤون الناس من بين جدرانه العالية. حجر الأساس بدأ بناء القصر عام 1361هـ بأمر من الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه، وتولى أمير نجران آنذاك تركي بن ماضي تنفيذه. واستغرق العمل نحو عامين، حتى اكتمل البناء عام 1363هـ الموافق 1944م، ليكون مقرًا لإمارة منطقة نجران ولعدد من الإدارات الحكومية. وكان القصر في مرحلته الأولى مركز القرار في المنطقة، يستقبل أهلها ويدير شؤونها، ومنه انطلقت أعمال الإدارة في عهد التأسيس. ومنذ تلك اللحظة صار اسم "قصر الإمارة" عنوانًا للمبنى لا يفارقه، حتى بعد أن انتقلت الإمارة لاحقًا إلى مقر جديد في حي الفيصلية. طين وحجر بُني القصر على هيئة قلعة ذات أسوار عالية، واستُخدم في تشييده الطين والحجارة وجذوع النخيل والأشجار، وهي مواد تتوفر في بيئة نجران وتتلاءم مع مناخها. وقامت أساساته على الحجارة، فيما ارتفعت جدرانه من الطين الذي يعزل الحرارة ويحفظ الاعتدال داخل الغرف في فصول السنة. ويمتد القصر على مساحة تبلغ نحو 6252 مترًا مربعًا، ويتألف من ثلاثة طوابق. وهذا الامتداد الواسع يعكس الدور الإداري والسكني الذي أُنيط به، فهو مبنى يجمع في داخله مقر الإمارة ودواوينها ومساكن القائمين عليها. وقد روعي في تصميمه الطابع المعماري الأصيل لنجران، ليجسد ملامح التراث العمراني العريق للمنطقة ويحافظ على هويته التاريخية. أبراج الحراسة تحيط بالقصر أسوار سميكة عالية، وتنتصب في أركانه الأربعة أبراج دائرية استُخدمت للمراقبة والحراسة. وهي تشبه حصونًا صغيرة تشرف على المدينة القديمة من زواياها، ويراها الناظر من بعيد فيعرف موضع الحكم. وتمنح هذه الأبراج القصر شكل القلعة الذي اشتهر به، إذ يتكوّن المبنى من سور مرتفع على شكل مربع تحرسه الأبراج من الأركان، ويحتضن في داخله فناءً فسيحًا تتوزع حوله الغرف والمرافق. وهي تجمع بين الوظيفة الدفاعية والجمال المعماري، فتؤدي مهمة الحماية وتزين الواجهات بإيقاعها المتكرر. غرف الحكم يضم القصر نحو خمس وستين غرفة موزعة على طوابقه الثلاثة. ففي الطابق الأول مجلس الأمير ومكان استقبال المواطنين، وفيه كانت تُسمع مطالب الناس وتُناقش احتياجاتهم. وإلى جانب مقر الإمارة احتضن القصر عددًا من الدوائر الحكومية، منها المحكمة الشرعية وقسم البرقية (اللاسلكي) والشرطة، فكان بمثابة مركز إداري متكامل تلتقي فيه الإدارة والقضاء والاتصال والأمن. وخُصص جزء من القصر للسكن الخاص، يتكون من سبع عشرة غرفة وستة مستودعات، إلى جانب مبنى لسكن الأمير ووكيله. وتشمل مرافق القصر غرفة للطعام وأخرى لإعداد القهوة وغرفًا للمستودعات والمعيشة، وهي تفاصيل تكشف نمط الحياة اليومية ونظام الإدارة الذي ساد في تلك المرحلة. البئر والمسجد في فناء القصر مسجد وبئر قديمة تجاور المسجد. أما المسجد فيعود تاريخ إنشائه إلى عام 1361هـ الموافق 1942م، وشُيّد على الطراز النجراني، ويُعد من المباني البارزة داخل القصر، وهو مفتوح للصلاة اليوم، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو مئتي مصلٍ. وأما البئر فتعود إلى عصر ما قبل الإسلام، وهي أقدم ما في المكان. طُوي جزؤها السفلي باللبن المحروق، وأُكمل جزؤها العلوي بالحجارة خلال عملية الترميم التي نفذتها الهيئة العامة للسياحة والآثار (سابقًا)، وغُطيت بأسياج حديدية تحمي من سقوط الأشياء فيها وتتيح للزوار مشاهدة ما بداخلها. وهكذا يجتمع في فناء واحد عصر ما قبل الإسلام وعصر التأسيس، فيرى الزائر امتداد الحياة على هذه الأرض. البعد الجغرافي والثقافي يقع القصر في قلب المدينة القديمة بحي أبا السعود التاريخي، المجاور لسوق الجنابي الشعبي المعروف. ويضم الحي عددًا من الأسواق الشعبية والتراثية التي تعرض مصنوعات وحرفًا أثرية تشتهر بها نجران، مثل الخناجر والجنابي، إضافة إلى الصناعات الجلدية والمنسوجات والأواني الحجرية والفخارية. وهذا الجوار يمنح زيارة القصر بعدًا ثقافيًا إضافيًا، إذ يمشي الزائر من قاعات الحكم القديمة إلى أسواق الحرفيين، فتتصل لديه صورة الإدارة بصورة الحياة اليومية. وقد جُهزت ساحات القصر وملحقاته لتكون موقعًا لمزاولة الحرف والصناعات اليدوية وعرضها، ومنها صناعة الخناجر والسيوف والنجارة التقليدية. إحياء الذاكرة خضع القصر لأعمال ترميم متتالية حفظت هيئته. ففي عام 1429هـ أعادت الهيئة العامة للسياحة والآثار ترميمه ترميمًا شاملًا بالمواد الأولية نفسها التي بُني بها، حرصًا على بقائه شاهدًا على تاريخ المنطقة وثقافتها. وعملت أمانة منطقة نجران على إنشاء ساحة أمامية واسعة أمامه، فصار المقر الأبرز في حي أبا السعود لإقامة الفعاليات التراثية والشعبية، ومنها مهرجان "كلنا نحب التراث" برعاية إمارة المنطقة. ختامًا.. يقف قصر الإمارة التاريخي في نجران شاهدًا من طين وحجر على مرحلة التأسيس في الجنوب، حين كان الأمير يستقبل الناس في مجلسه، والقاضي يفصل بينهم، والبرقية تصل المدينة بالعالم، والأبراج الأربعة تحرس الأركان. ومن بئره التي تعود إلى ما قبل الإسلام، إلى مسجده المفتوح للصلاة، إلى ساحاته التي تعج اليوم بالحرفيين والزوار، يواصل القصر دوره في ربط الأجيال بجذورها، ويقدم نجران بما فيها من عراقة وأصالة وجمال. اعداد : رياض عبدالله الحريري