لم تعد الحرب الروسية - الأوكرانية مجرد نزاع مسلّح يُدار على جبهات المواجهة التقليدية، بل تحولت إلى معادلة جيوسياسية واقتصادية معقدة تجمع بين الضغط الدبلوماسي الأمريكي المتصاعد، والحرب الهجينة في العمق الأوروبي، واختناقات سلاسل الإمداد والطاقة المزدوجة.
وبينما تعيد القوى الكبرى رسم التوازنات في القارة العجوز، يجد الاقتصاد الأوروبي نفسه تحت وطأة ركود تضخمي حاد، مما يضع القطاع المصرفي والمؤسسات المالية العربية أمام ضرورة حتمية لإعادة رسم إستراتيجيات التحوط الائتماني وقياس المخاطر بأسلوب استباقي ومبتكر.
أولاً: آخر مستجدات الأزمة الروسية الأوكرانية
تشهد الأزمة الروسية الأوكرانية حراكاً دبلوماسياً استثنائياً تقوده الولايات المتحدة، يقابله استمرار المعارك العنيفة والقصف الجوي المتبادل بعد انقضاء هدنة مؤقتة بين عاصمتي البلدين:
1 - المسار الدبلوماسي: وساطة أمريكية ومفاوضات ثلاثية محتملة
أجرى مبعوثا الرئيس الأمريكي (ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر) جولة مكثفة شملت محادثات استمرت ثلاث ساعات مع فلاديمير بوتين في موسكو، تلتها زيارة إلى كييف للقاء فولوديمير زيلينسكي؛ لتقديم مقترحات أمريكية جديدة لإنهاء الحرب.
أ - موقف موسكو: أعلن الكرملين أنه لا يستبعد استئناف المفاوضات الثلاثية (روسيا، أوكرانيا، أمريكا)، ووصف لقاء بوتين بالمبعوثين بأنه «خطوة صغيرة نحو السلام»، ملمحاً إلى إمكانية إجراء اتصال هاتفي قريب بين بوتين وترامب.
ب - تحفظ أوكراني وتوقعات بالشتاء: رغم وصف كييف للمقترحات الأمريكية بأنها «أكثر جدوى»، صرّح الرئيس زيلينسكي بأن الحرب تبدو متجهة للاستمرار خلال فصل الشتاء المقبل، لعدم حدوث اختراق جوهري في قضية الأراضي؛ حيث تصر موسكو على انسحاب أوكرانيا الكامل من دونيتسك وتفضيل زيلينسكي لقاءً مباشراً بين الرؤساء.
اتسم الموقف الأوروبي من الحرب الروسية الأوكرانية بمزيج من التمسك بمبدأ دعم كييف، والقلق البالغ من توسع «الحرب الهجينة» داخل أراضيه، إلى جانب انقسامات داخلية متزايدة حول كلفة الاستمرار في الدعم ومستقبل الترتيبات الأمنية. ويمكن تلخيص المشهد الأوروبي الحالي في النقاط الآتية:
1 - القلق من «الحرب الهجينة» في العمق الأوروبي
تسيطر حالة من الاستنفار الأمنـي على عواصم الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بعد اتهام ألمانيا لروسيا بمحاولة تنفيذ هجوم بمسيرة مفخخة قرب مطار لايبزيغ، والاشتباه بوقوف موسكو وراء حرائق وهجمات سيبرانية متكررة داخل القارة. وقد صرحت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بأن «الهجمات الهجينة الروسية لن تُخيف أوروبا أو تثنيها عن دعم أوكرانيا»، معتبرة أن هذه العمليات تهدف لزعزعة الاستقرار الداخلي وثني الغرب عن مواصلة تسليح كييف.
يواجه الاتحاد الأوروبي صعوبة متزايدة في تبني موقف موحد؛ فبينما تقود بريطانيا ودول البلطيق معسكر الدعم المطلق لكييف، تدفع قوى رئيسية مثل ألمانيا وفرنسا نحو بلورة أفكار لاستئناف الحوار السياسي والوساطة مع موسكو لإنهاء حرب الاستنزاف التي بلغت ذروتها. وفي المقابل، ترفض دول كالمجر، وسلوفاكيا، وبلغاريا تقديم مزيد من الإمدادات العسكرية.
كما تضغط الحكومات لزيادة ميزانيات التسليح، وهو ما يلقى معارضة من الرأي العام الأوروبي الذي يخشى تقليص الإنفاق على الرفاه الاجتماعي والخدمات، مما يمنح قوى المعارضة اليمينية واليسارية الشعبوية ورقة انتخابية قوية.
3 - معضلة التصنيع والدعم العسكري والمالي
يعاني النظام الدفاعي الأوروبي من ضعف المرونة ومجاراة متطلبات الميدان؛ حيث تواجه مشاريع صندوق الدفاع الأوروبي عجزاً في مجاراة وتيرة الهجمات الروسية وتأمين الصواريخ الاعتراضية والذخائر لكييف.يضغط وزراء الدفاع الأوروبيون حالياً لتسريع صرف الحصص المالية من قرض الاتحاد الأوروبي البالغ 90 مليار يورو؛ تلبيةً لطلب عاجل من الرئيس الأوكراني لمواجهة الشتاء القادم وحماية البنية التحتية للطاقة.
حظيت جولة المبعوثين الأمريكيين (كوشنر ووِيتكوف) بمتابعة دقيقة؛ حيث حضر ثلاثة ممثلين أوروبيين لقاء كييف مع زيلينسكي. وتخشى بعض العواصم الأوروبية أن تفرض إدارة ترامب اتفاق سلام يفتقر لضمانات أمنية حقيقية لأوروبا، أو يجبر أوكرانيا على تقديم تنازلات تمس سيادتها، لذا تتمسك بروكسل بضرورة صياغة أي سلام مستقبلي وفقاً لمبادئ القانون الدولي ومظلة الأمن القاري الشاملة.
اختلفت تعاملات روسيا تاريخياً وجيوسياسياً بشكل جذري بين دول أوروبا الشرقية ودول أوروبا الغربية. فبينما اعتمدت مع الشرق على «الإخضاع والترهيب المباشر»، ركزت مع الغرب على «الاعتماد المتبادل وبناء شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي».
تنظر روسيا لدول أوروبا الشرقية (بولندا، دول البلطيق، رومانيا) كـ «محيط حيوي سابق» أو دول منشقة عن معسكرها، لذا كان تعاملها معها يتسم دائماً بالاستعلاء العسكري، والتهديد، واختراق الأجواء لإضعاف سيادتها.
وتتعامل موسكو الآن مع الجناح الشرقي لأوروبا، باستراتيجية «العصا والجزرة» (أو ما يُعرف بالضغط العسكري المرن بالتوازي مع الإغراء الدبلوماسي والاقتصادي)، معتمدةً على ثقل الصين كضامن أو وسيط خلفي.
أ - «العصا الروسية»: الاختراقات الجوية والترهيب العسكري
لطالما استخدمت روسيا الطائرات الحربية والمسيرات لاختراق الأجواء واختبار جاهزية الرادارات ودفاعات الناتو في دول أوروبا الشرقية (مثل بولندا، رومانيا، ودول البلطيق). هذه الاختراقات زادت وتيرتها بشكل حاد لترهيب هذه الدول بسبب دعمها لكييف وتعميق وتيرة التهديدات الهجينة. الرسالة الجيوسياسية: تهدف «العصا» الروسية إلى بث الرعب داخل المجتمعات الشرق أوروبية، وإيصال رسالة مفادها أن المظلة الأمنية لحلف الناتو قد لا تحميهم بالكامل إذا ما قررت موسكو التصعيد.
ب - «الجزرة الروسية»: الدبلوماسية الموازية وعروض الاستقرار
في الوقت الذي تهدد فيه موسكو عسكرياً، تترك قنواتها الدبلوماسية مواربة عبر تقديم «جزرة» العلاقات الثنائية المستقرة، مثل استئناف إمدادات الطاقة لبعض الدول المتعطشة لها (كالمجر وسلوفاكيا)، أو التلويح بصفقات اقتصادية بعد انتهاء الحرب لتشجيع العواصم على اتخاذ مواقف أقل حدة تجاه العقوبات الغربية.
جـ - الدور الصيني: «الضامن والميسر» للعلاقات
هنا يبرز دور بكين بدقة؛ فروسيا لا تتحرك في معزل عن حليفتها الكبرى. الصين تقدم لروسيا الدعم الاقتصادي والسياسي الذي يسمح لها بممارسة هذه المناورات، بينما تلعب بكين دور «الوسيط العقلاني» أمام الأوروبيين. طرح الضمانات: تستخدم الدبلوماسية الروسية الثقل الصيني لترغيب دول أوروبا الشرقية؛ حيث تُروّج فكرة أن بكين (باعتبارها الشريك التجاري الأكبر للكثير من دول أوروبا والعالم) يمكنها أن تضمن توازن العلاقات، وأن تكون طرفاً ضامناً لأي ترتيبات أمنية واقتصادية مستقبلية في أوراسيا بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
روسيا تلعب دور «الشرطي الصارم» عسكرياً، ثم تعرض عبر دبلوماسيتها وبغطاء وتنسيق وثيق مع الصين وبكين حلولاً تبدو «منطقية ومغرية» لمن يقبل بتحييد مواقفه.