تُعد قراءة القرآن الكريم من أبواب التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويلجأ كثير من المسلمين إلى تلاوة سورة يس والدعاء بعدها بنية قضاء الحاجات وتيسير الأمور، وهو ما أثار تساؤلات حول صحة حديث «يس لما قرئت له»، وحكم تخصيص السورة بنية تحقيق مطالب معينة، إلى جانب الحكم الشرعي لما يُعرف باسم «عدية يس» بقصد الإضرار بالآخرين.
وفي هذا السياق، تناول عدد من علماء دار الإفتاء المصرية أحكام قراءة سورة يس لقضاء الحوائج، موضحين الفرق بين الدعاء إلى الله والتوسل إليه بقراءة القرآن الكريم، وبين توجيه القراءة بقصد إيذاء شخص آخر.
أجاب الدكتور مجدي عاشور المستشار السابق لمفتي الجمهورية ، عن سؤال ورد إلى دار الإفتاء المصرية بشأن حكم قراءة سورة يس لقضاء الحاجات، موضحًا أن قراءة السورة لهذا الغرض جائزة، وأنها من السور المباركة، لكن لا ينبغي الاعتقاد بضرورة تكرار آيات محددة منها عشر مرات أو 14 مرة، كما يتردد في بعض الممارسات.
وأوضح أن المسلم يستطيع قراءة سورة يس كاملة، ثم يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء، ويسأله بفضل القرآن الكريم وبركته أن يحقق له ما يرجوه، مع تحديد حاجته في الدعاء، دون اعتقاد أن الإجابة يجب أن تتحقق في وقت بعينه.
وشدد على أهمية ترك توقيت الإجابة إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى، وعدم استعجال تحقق المطلوب، فالمسلم يدعو ربه ويرجو فضله، مع التسليم لحكمته في تقدير الأمور وأوقاتها.
وفيما يتعلق بصحة الحديث المتداول بلفظ «يس لما قرئت له»، أجاب الشيخ أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن السؤال خلال بث مباشر عبر الصفحة الرسمية للدار على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، موضحًا أن الحديث ضعيف من جميع طرقه، بحسب ما ذكره في إجابته.
وأشار إلى أن قراءة سورة يس بنية قضاء حاجة، والتوسل إلى الله تعالى بالقرآن الكريم في الدعاء، أمر يتحدث عنه المسلمون من واقع تجاربهم في القراءة والذكر والدعاء.
وفي إجابة أخرى عن السؤال نفسه، أوضح الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الحديث له شواهد متعددة، وأن معنى قراءة سورة يس لقضاء الحوائج ورد من طرق كثيرة، مستشهدًا بما جاء في بعض الآثار عن فضل السورة وما يرتبط بها من معانٍ.
وأشار إلى أثر متداول بلفظ: «يا علي أكثر من يس فإن فيها 10 خصال»، يتضمن الحديث عن قراءتها على الميت والشفاء للمريض وإطعام الجائع وإرواء العطشان، موضحًا أن التجربة الممتدة لدى المسلمين عبر القرون في قراءة سورة يس والذكر والدعاء ارتبطت باعتبارها من السور المباركة التي يرجون بها فضل الله وقضاء حوائجهم.
وأضاف أن فضل الله واسع، وأن إخلاص الإنسان في نيته وحسن توجهه إلى الله من الأمور التي يرجو بها القبول وتحقيق ما يسأله ربه.
وأوضح الشيخ أحمد وسام أنه يجوز للمسلم قراءة سورة يس لأكثر من غرض أو نية، وأن الأمر يرتبط بما يرجوه الإنسان من فضل الله تعالى، وبما يجده في نفسه من إقبال على الذكر والدعاء.
وأشار إلى أن لكل إنسان تجربته الخاصة في علاقته بالله، وأن باب الذكر والدعاء واسع، مستشهدًا بما جرى عليه كلام أهل الله من الحث على ذكر الله حيث يجد الإنسان قلبه حاضرًا، مع حسن الظن بالله والرجاء في رحمته وكرمه.
وبناءً على ذلك، يمكن للمسلم قراءة السورة والدعاء بأكثر من حاجة، مثل طلب الشفاء أو تيسير الأمور أو تفريج الكرب، دون اعتقاد أن هناك عددًا محددًا من المرات أو صيغة بعينها تلزم لتحقيق الإجابة.
وفيما يخص حكم قراءة ما يُعرف باسم «عدية يس» بقصد الإضرار بالظالم، أوضح الشيخ محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن القرآن الكريم أُنزل للهداية والتزكية، وليس لإيذاء الناس أو إلحاق الضرر بهم.
وأضاف أن من تعرض للأذى يمكنه قراءة سورة يس بنية أن يصرف الله عنه الأذى ويحفظه، أو أن يرد إليه حقه، أو أن يبعد عنه شر من ظلمه، مؤكدًا أن توجيه القراءة ينبغي أن يكون نحو الخير وطلب الحماية من الله تعالى.
وأشار إلى أن سورة يس من السور المباركة، وأن قراءتها بنية صالحة، كطلب الحفظ أو الشفاء أو رد الحقوق، تختلف عن قراءتها بقصد هلاك إنسان أو الإضرار به، فالمقصود من القرآن هو الخير والهداية، وكلما اتجهت النية إلى الخير كان ذلك أولى من توجيه العبادة نحو الانتقام والإيذاء.
من جانبه، أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، أن ما يُعرف باسم «عدية يس» لا ينبغي أن يُستخدم بقصد الإضرار بالآخرين، موضحًا أن الأولى قراءة سورة يس بنية الشفاء للمرضى، وتيسير الأمور، وهداية العباد، وتفريج الكروب.
وأضاف أن التعامل مع الآخرين ينبغي أن يقوم على العفو والصفح والرحمة، مستشهدًا بقول الله تعالى: «فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره»، داعيًا إلى الابتعاد عن توجيه قراءة القرآن الكريم نحو إيذاء الناس.
وأشار علي جمعة إلى أن «عدية يس» ليست من الأمور التي تُدرّس في جامعة الأزهر، موضحًا أنه لم يشاهد أحدًا من علماء الأزهر يقرأها أمامه.
كما أوضح أن المقصود بعبارة «يس لما قرئت له» هو أن يقرأ الإنسان السورة ثم يدعو الله بما يريد، مثل أن يسأله دخول الجنة أو يعينه على حفظ القرآن الكريم، أو يطلب منه قضاء حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، فيقرأ سورة يس ثم يتوجه إلى الله بالدعاء والرجاء.