قراءةٌ في الظاهرة الخامسة التي لم تُصَغ في مؤتمر – ثامر بن سعران  السبيعي

الجزء الأول: التأسيس النظري - لماذا لا نسمّيها طبقة، ولماذا نحتاج لاسم لها رغم ذلك..

مقدمة: سؤالٌ يفرض نفسه على كل قارئٍ متأمل.

منذ صلح وستفاليا عام 1648 وحتى اتفاقيات بريتون وودز عام 1944، بنى المجتمع الدولي أربع طبقاتٍ متعاقبة لفهم العلاقات بين الدول وضبطها: طبقة السيادة التي حدّدت من يملك السلطة داخل أي إقليم، طبقة الأمن التي نظّمت متى يجوز استخدام القوة ومتى يُحظر، طبقة القانون التي وضعت معايير الإلزام بين الدول ودرجاته، وطبقة المال التي أسّست مرجعية نقدية موحّدة وآليات تسوية عابرة للحدود.

كل طبقة من هذه الأربع وُلدت في لحظةٍ تاريخية محددة، من مؤتمرٍ أو معاهدةٍ يمكن الإشارة إليها بإصبعٍ واحد: وستفاليا للسيادة، سان فرانسيسكو للقانون والأمن معاً عبر ميثاق الأمم المتحدة، بريتون وودز للمال. **وهذا التأريخ الدقيق لكل طبقة هو ما يمنحها صفة «الطبقة» أصلاً - إذ يمكن تحديد متى وُلدت، ومن صاغ معيارها، وأي وثيقةٍ تُرجَع إليها عند الخلاف.

لكن حين نراقب فعلاً عابراً واحداً - شحنة نفطٍ تمرّ عبر مضيقٍ متنازعٍ عليه، أو تدفق بياناتٍ يعبر خوادم في ثلاث قارات خلال ثوانٍ، أو رأس مالٍ يهرب من سوقٍ ناشئة في ساعة - نكتشف أن هذا الفعل لا يقع بالكامل داخل أي طبقةٍ واحدة من الأربع، بل يُختبر بمعايير الطبقات كلها في آنٍ واحد، وينتج عن هذا الاختبار المتزامن ظاهرةٌ لا تفسّرها أي طبقةٍ بمفردها.

هذه الظاهرة هي ما نسمّيه هنا «التدفق». والسؤال الذي يفرض نفسه فوراً: هل هذا التدفق طبقةٌ خامسة نُضيفها إلى الأربع السابقة؟ أم هو مجرد تكرارٍ لما تقوله الطبقات الأربع بأسماء جديدة؟

الجواب الذي سيُبنى عليه هذا العمل بأكمله: لا هذا ولا ذاك.

الطبقات الأربع تتشارك خاصيةً بنيوية واحدة: كل منها افترضت، عند تأسيسها، أن موضوع حكمها ثابت الموقع. السيادة افترضت أن الأرض والحدود تبقى في مكانها. الأمن افترض أن الجيوش والأسلحة تتحرك عبر مساراتٍ يمكن رصدها ومنعها عند خط حدودي واضح. القانون افترض أن الفعل القانوني يقع في مكانٍ يمكن تحديد الولاية القضائية عليه. المال افترض أن التحويلات تمرّ عبر بنوكٍ مركزية معروفة الهوية والموقع.

التدفق لم يُصَغ في أي مؤتمرٍ لأنه لا يملك لحظة ميلادٍ واحدة يمكن الإشارة إليها. لم يجتمع مندوبون من خمسين دولة ليوقّعوا معاهدةً تؤسس «قانون التدفقات» كما اجتمعوا في سان فرانسيسكو لتأسيس الأمم المتحدة. ولا يملك التدفق معياراً واحداً يخصّه كما يملك المال معيار الدولار أو تملك السيادة معيار الحدود المعترف بها. وهذا وحده كافٍ لاستبعاد تصنيفه كطبقةٍ خامسة بالمعنى التأسيسي الدقيق الذي بُنيت به الطبقات الأربع.

في المقابل، من الخطأ بالقدر نفسه الاكتفاء بالقول إن «التدفق» ليس سوى اسمٍ جديدٍ لما تقوله الطبقات الأربع أصلاً. فحين نقرأ شحنةً عابرة بمعيار السيادة وحده، نحصل على إجابةٍ جزئية: هل عبرت المياه الإقليمية بشكلٍ قانوني أم لا. وحين نقرأها بمعيار الأمن وحده، نحصل على إجابةٍ جزئيةٍ أخرى: هل تعرّضت لتهديدٍ عسكري أم لا. وحين نقرأها بمعيار القانون، نحصل على إجابةٍ ثالثة: أي نصٍّ يحكم حرية مرورها. وحين نقرأها بمعيار المال، نحصل على إجابةٍ رابعة: كم يكلّف تأمينها وشحنها.

المشكلة أن جمع هذه الإجابات الأربع جنباً إلى جنب لا يُعطينا الصورة الكاملة، لأن كل طبقة تقرأ الفعل من موقعها الثابت المفترض، بينما الفعل نفسه -كونه عابراً بطبيعته- يُنتج في كل طبقةٍ فجوةً لا تظهر لو قِسنا تلك الطبقة على موضوعها التقليدي الساكن. هذه الفجوات الأربع، حين تُقرأ معاً كنمطٍ متكرر لا كحوادث منفصلة، هي ما نسمّيه ظاهرة التقاطع أو «التدفق».

التموضع الدقيق: التدفق كاسمٍ لفجوةٍ متكررة، لا ككيانٍ مستقل

هنا يجب صياغة العلاقة بدقةٍ شديدة لتفادي وقوعين متعاكسين في الخطأ نفسه. لا نقول إن التدفق «يؤثر على» الطبقات الأربع من الخارج ويعيد تشكيلها، لأن هذه الصياغة تمنحه ضمنياً وجوداً مستقلاً سببياً -وكأن هناك قوةً خامسة تضغط من الخارج على السيادة فتُغيّرها، وعلى الأمن فتُعيد تعريفه. هذا الوصف يعيد فتح السؤال الذي أغلقناه للتو: إن كان له هذا الأثر السببي المستقل، فلماذا لا يُصنَّف ككيان؟

الصياغة الأدق، والمستندة إلى ما أرسته أدبيات العلاقات الدولية منذ السبعينيات حول الترابط المعقّد بين الدول، هي عكسية تماماً: **كل طبقةٍ من الطبقات الأربع، حين تحاول أن تحكم بمعيارها التقليدي الثابت على فعلٍ متحرك بطبيعته، تكتشف في نفسها -لا من خارجها- فجوةً لم تكن ظاهرة حين كان موضوع حكمها ثابت الموقع. السيادة لا «تتغيّر» بفعل قوةٍ خارجية اسمها التدفق؛ بل السيادة نفسها، حين تُختبر بشحنةٍ عابرة، تكتشف أن معيارها القديم (الحد والجواز) لا يكفي وحده لوصف الظاهرة كاملة.

فالتدفق ليس فاعلاً خامساً يضغط من الخارج، بل هو الاسم الذي نُطلقه على لحظة الاكتشاف هذه: حين تجتمع أربع فجوات -كل واحدة ظهرت داخل طبقتها بمعزلٍ عن الأخرى- لتشكّل نمطاً متكرراً يستحق أن يُدرَس بذاته، دون أن يستحق أن يُصنَّف ككيانٍ تأسيسي منفصل.

السند من الأدبيات: الترابط المعقّد كسابقةٍ منهجية

هذا التموضع ليس ابتكاراً منعزلاً عن تراكم الفكر في العلاقات الدولية. فحين طرح روبرت كيوهين وجوزيف ناي نظريتهما حول «الترابط المعقّد» في أواخر السبعينيات، لم يدّعيا أن هناك طبقةً خامسة اسمها «الترابط» تضاف إلى السيادة والأمن، بل قالا شيئاً أدق: إن العلاقات بين الدول أصبحت تتسم بثلاث خصائص -تعدد قنوات التفاعل بما يتجاوز الدولة، وغياب تراتبيةٍ ثابتة بين قضايا الأمن والاقتصاد، وتراجع فعالية القوة العسكرية كأداةٍ حاسمة- وأن هذه الخصائص تُعيد تشكيل كيفية عمل الطبقات القائمة أصلاً، لا أنها تخلق طبقةً موازية لها.

المفهوم المحوري في تلك النظرية هو أن الدول والمجتمعات تتفاعل عبر «تدفقاتٍ» من الأموال والسلع والأشخاص والرسائل عبر الحدود، وأن دراسة هذه التدفقات ظلت تاريخياً غير متوازنة -إذ حظيت تدفقات المال والسلع بدراسةٍ مكثفة، بينما بقيت تدفقات المعلومات والرسائل أقل حظاً من التحليل المنهجي حتى اتضح لاحقاً، مع ثورة الإنترنت، حجم أهميتها الحقيقي.

وهذا بالضبط هو الموقع الذي يشغله هذا العمل: امتدادٌ لثغرةٍ معترف بها في الأدبيات، لا اختراعٌ معزولٌ عنها. فإذا كانت أدبيات الترابط المعقّد قد أرست المبدأ منذ نصف قرن، فإن ما ينقصها -وما يسعى هذا العمل لسدّه- هو **أداة قراءةٍ منهجية دقيقة** تُطبَّق على فعلٍ عابرٍ واحد بعينه، فتُظهر بالتفصيل كيف تقرأه كل طبقةٍ من الطبقات الأربع تحديداً، وأين تظهر فجوة كل طبقةٍ على حدة، ثم كيف تُركَّب هذه القراءات الأربع معاً لتكشف ما لا تكشفه أي واحدةٍ منها بمفردها.

بناءً على هذا التموضع، فإن «قراءة التدفق» في هذا العمل ليست فصلاً خامساً يُضاف إلى دراسة الطبقات الأربع، بل منهج تركيبٍ يُطبَّق بعد فهم كل طبقةٍ على حدة. والإجراء المنهجي المتّبع في الأجزاء اللاحقة من هذا العمل يسير على ثلاث خطواتٍ متتابعة لا يجوز تجاوز إحداها: