قبل النفط 2 .. لماذا يحتاج السعوديون إلى قراءة هذه المرحلة من تاريخهم

بسام الجيالباحث في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقيةشهادة بول هاريسون وبداية التساؤلقبل أيام، أرسل إليّ صديقي وشريكي في رحلة المعرفة وإعادة بناء السردية السعودية، الأستاذ عبدالمحسن الماضي، صورة تاريخية متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت عبارة لفتت انتباهي كثيرًا، وردت في مذكرات الطبيب الأمريكي بول هاريسون (Dr. Paul Harrison) بعد زيارته الرياض عام 1917، يقول فيها: «الرياض بلدة متواضعة، ويستحيل أن تصل إلى مستوى مدينة الهفوف، والناس هنا يعيشون من أجل الآخرة».لم أتوقف عند العبارة لأناقش ما إذا كان صاحبها قد أصاب أو أخطأ في وصفه، فكل من يزور بلدًا يكتب انطباعاته من خلال تجربته الخاصة، وقد تختلف قراءته للواقع عن قراءة غيره. لكن الذي استوقفني حقًا هو أن هذه الكلمات كُتبت قبل أكثر من قرن، في زمن كانت فيه المملكة العربية السعودية لا تزال في مرحلة التكوين، وقبل أن يعرف العالم النفط السعودي، وقبل أن تتحول الرياض إلى واحدة من أكبر العواصم السياسية والاقتصادية في المنطقة. ومن هنا بدأ السؤال الذي قادني إلى هذا المقال: كيف تحولت الرياض التي رآها بول هاريسون بهذه الصورة عام 1917 إلى الرياض التي نعرفها اليوم؟ والأهم من ذلك، لماذا يحتاج السعوديون اليوم إلى العودة لقراءة تلك المرحلة التي سبقت النفط، بدلاً من أن يبدأوا تاريخهم من اللحظة التي تدفق فيها أول برميل؟عندما أعدت النظر إلى الصورة، أدركت أنها لم تكن في الحقيقة تتحدث عن الرياض وحدها، بل كانت تفتح نافذة واسعة على مرحلة كاملة من تاريخ المملكة قبل النفط.المستشفى الأمريكي في البحرين وشهود المرحلةلم يكن بول هاريسون صحفيًا يبحث عن سبق صحفي، ولا رحالة جاء ليكتب كتابًا عن الجزيرة العربية، ولا جيولوجيًا يبحث عن النفط الذي لم يكن قد اكتشف بعد، بل كان طبيبًا أمريكيًا جاء ليعالج المرضى ضمن فريق المستشفى الأمريكي في البحرين (American Mission Hospital)، وهي المؤسسة الطبية التي بدأت عملها في الخليج في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تصبح المنطقة محط أنظار شركات النفط العالمية بسنوات طويلة. وما إن بدأت أبحث عن الرجل حتى اكتشفت أن اسمه لم يكن سوى بداية قصة أكبر بكثير، وأن وراءه جيلًا كاملًا من الأطباء الذين عاشوا بين أهل الجزيرة العربية، وتنقلوا بين مدنها وقراها، وتركوا لنا وصفًا نادرًا لمجتمع لم يكن يعرف بعد أن الرمال التي يعيش فوقها ستغير مستقبل العالم.لقد تعودنا، نحن والعالم، على أن تبدأ قصة المملكة العربية السعودية بالنفط. حتى إن كثيرًا من الكتب الغربية، بل وبعض الكتابات العربية أيضًا، تجعل عام 1933 نقطة البداية، ثم تنتقل مباشرة إلى اكتشاف النفط، وأرامكو، والطفرة الاقتصادية، وكأن التاريخ السعودي الحديث بدأ مع أول امتياز نفطي. لكن كلما تعمقت في قراءة المصادر الغربية المبكرة، ازددت اقتناعًا بأن هذه الرواية ناقصة، لأنها تبدأ من منتصف الطريق. فقبل أن يصل الجيولوجيون، كان هناك أطباء، وقبل أن تبنى معسكرات النفط، كانت هناك عيادات طبية متنقلة، وقبل أن يعرف العالم اسم أرامكو، كان هناك رجال يعبرون الخليج ثم الصحراء على ظهور الإبل ليصلوا إلى الأحساء والقطيف ونجد والرياض، لا بحثًا عن الثروة، بل بحثًا عن المرضى.كان الدكتور بول هاريسون واحدًا من هؤلاء. لكنه لم يكن وحده. فكلما تقدمت في البحث، ظهرت أمامي أسماء أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الدكتور لويس دام (Dr. Louis Dame) والدكتور هارولد ستورم (Dr. Harold Storm). وهؤلاء الثلاثة لم يجمعهم فقط انتماؤهم إلى المستشفى الأمريكي في البحرين، بل جمعهم أيضًا أنهم كانوا من أوائل الغربيين الذين عاشوا داخل المجتمع المحلي، وشاهدوا المملكة قبل النفط، وسجلوا تفاصيل الحياة اليومية كما كانت، بعيدًا عن السياسة والاقتصاد والتحليلات الإستراتيجية التي امتلأت بها الكتب في العقود اللاحقة. لكن اللافت أن أسماء هؤلاء الأطباء تكاد تكون مجهولة اليوم لدى كثير من السعوديين، رغم أنهم تركوا واحدة من أقدم الشهادات الغربية عن المجتمع السعودي قبل النفط.وهنا تكمن أهمية هذه المرحلة بوصفها نافذة لفهم المجتمع السعودي كما كان. فحين نقرأ مذكرات هؤلاء الأطباء، فإننا لا نقرأ تاريخ الطب، ولا تاريخ الإرساليات الطبية، وإنما نقرأ تاريخ المجتمع السعودي نفسه. نقرأ عن المدن قبل أن تمتد إليها الطرق الحديثة، وعن البيوت قبل الكهرباء، وعن الأسواق قبل المراكز التجارية، وعن الحياة اليومية كما عاشها الناس، لا كما أعادت الكتب المدرسية صياغتها بعد عشرات السنين. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح مرحلة ما قبل النفط قيمتها التاريخية والمعرفية، لأنها تنقل إلينا المجتمع كما كان في واقعه، لا كما نتصوره اليوم.ولعل أكثر الشخصيات التي شدت انتباهي خلال هذه الرحلة كان الدكتور لويس دام. ففي عام 1923 تعرض الملك عبدالعزيز لالتهاب شديد في الوجه تطور إلى خراج مؤلم، ولم تكن الرياض آنذاك تعرف مستشفى حديثًا، ولا جراحة متخصصة، ولا وسائل نقل سريعة تمكن من الوصول إلى طبيب خلال ساعات. ولهذا أُرسل في طلب الدكتور لويس دام من البحرين. بدأ الطبيب رحلته عبر الخليج، ثم واصلها داخل الجزيرة العربية في ظروف بالغة الصعوبة، حتى وصل إلى الرياض بعد أكثر من ثلاثين ساعة من السفر المتواصل، حيث أجرى تدخلاً جراحيًا بسيطًا، لكنه كان كافيًا لإنقاذ الملك من مضاعفات المرض.ومن هنا بدأت أرى تلك الصورة بصورة مختلفة. لم تعد مجرد اقتباس دوّنه طبيب أمريكي عن الرياض، بل أصبحت مدخلًا إلى مرحلة كاملة من تاريخ المملكة قبل النفط. ولم يعد بول هاريسون، ولويس دام، وهارولد ستورم مجرد أسماء في تاريخ الطب، بل أصبحوا جزءًا من جيل كامل عاش بين أهل الجزيرة العربية، وسجل تفاصيل حياتهم اليومية في وقت كانت فيه الدولة السعودية الحديثة تتشكل، وكان المجتمع يبني نفسه بإمكانات محدودة، قبل أن يغير النفط وجه البلاد.مرحلة ما قبل النفط بوصفها مفتاحًا لفهم التحول السعوديوكلما تعمقت في قراءة المصادر الغربية، أدركت أن هؤلاء الأطباء لم يكونوا سوى بداية قصة أكبر بكثير. فقد وجدت عشرات الرحالة، والجغرافيين، والمهندسين، والدبلوماسيين، والمستشرقين الذين كتبوا عن المملكة قبل النفط، وتركوا وراءهم أرشيفًا ضخمًا يوثق المدن، والقرى، والأسواق، والطرق، والتعليم، والطب، والحياة الاجتماعية، قبل أن تصبح المملكة تُعرف في العالم باعتبارها دولة نفطية. وما يميز هذه الشهادات أنها لم تُكتب لتفسير السياسة أو الاقتصاد، وإنما لتسجيل الحياة كما كانت تُعاش يومًا بيوم. ولهذا فإنها لا تقدم لنا تاريخًا رسميًا، بل تقدم صورة حية لمجتمع كان يعيش مرحلة التأسيس، وهي الصورة التي تجعل قراءة مرحلة ما قبل النفط ضرورة لفهم المملكة كما كانت، قبل أن نفهمها كما أصبحت.وقد يقرأ البعض عبارة بول هاريسون عن الرياض، ثم يختلف معها أو يرفضها، وربما يعتبرها حكمًا قاسيًا أو غير منصف. وهذا حق مشروع. لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية ليس: هل كانت عبارته دقيقة؟ وإنما: ماذا تخبرنا هذه العبارة عن المملكة في ذلك الزمن؟ فالتاريخ لا يُقرأ من أجل محاكمة الأشخاص، وإنما لفهم الأزمنة. ولو حذفنا أسماء أصحاب هذه الشهادات، وقرأنا النصوص بوصفها وثائق تاريخية، فسوف نجد أنها تساعدنا على إعادة بناء صورة المجتمع السعودي كما كان قبل أكثر من مئة عام، وهي صورة لا يمكن لأي باحث في تاريخ المملكة أن يتجاهلها، سواء اتفق مع أصحابها أو اختلف معهم.وهنا أعود إلى فكرة تناولتها في مقال سابق بعنوان «قبل النفط: لماذا يحتاج السعوديون إلى قراءة هذه المرحلة من تاريخهم؟»، نشر في صحيفة «الوطن» يوم الثلاثاء 7 يوليو 2026، حيث دعوت إلى إعادة قراءة مرحلة ما قبل النفط لأن فهم الحاضر يبدأ بفهم البدايات. واليوم أضيف سببًا آخر لا يقل أهمية. إن قراءة مرحلة ما قبل النفط تتيح لنا أن نرى حجم التحول الذي عاشته المملكة من خلال عيون الذين شاهدوها قبل أن تبدأ هذه الرحلة. فعندما يصف بول هاريسون الرياض عام 1917، ثم ننظر نحن اليوم إلى الرياض بعد أكثر من قرن، فإننا لا نقارن بين مدينتين، بل بين مرحلتين تاريخيتين تفصل بينهما واحدة من أسرع عمليات التحول التي شهدها أي مجتمع في العصر الحديث. ومن دون معرفة نقطة البداية، يصبح من الصعب إدراك حجم المسافة التي قطعتها المملكة.ولذلك فإنني أعتقد أن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض الباحثين، داخل المملكة وخارجها، أنهم يبدأون قراءة التاريخ السعودي من النفط. صحيح أن النفط غيّر الاقتصاد، وسرّع التنمية، وفتح آفاقًا جديدة للدولة، لكنه لم يصنع المجتمع من الصفر، ولم يخلق الدولة، ولم يبنِ الإنسان السعودي. فالإنسان الذي استطاع أن يدير هذا التحول التاريخي، وأن يؤسس المؤسسات، وأن يقود التنمية، هو امتداد لمجتمع تشكل قبل النفط بوقت طويل. وهذا هو الفرق بين الثروة وبين بناء الأمم؛ فالثروة قد تُسرّع مسيرة التنمية، لكنها لا تستطيع أن تخلق من العدم مجتمعًا يمتلك قيم الصبر، والقدرة على التكيف، وروح المبادرة، والإيمان بالمستقبل. ومن هنا فإن مرحلة ما قبل النفط ليست هامشًا في التاريخ السعودي، بل هي الأساس الذي قام عليه كل ما جاء بعدها، وهي التي تفسر كيف استطاعت المملكة، عندما جاءت الثروة، أن تحولها إلى مشروع دولة، لا إلى مجرد مورد اقتصادي.المصادر الغربية المبكرة وإعادة بناء السردية الوطنيةوأثناء عملي على مشروع «السعودية في التجربة الغربية: المعايشة، التفسير، وحدود الفهم»، أصبحت أزداد اقتناعًا بأن المملكة لا تزال تمتلك كنزًا معرفيًا لم يُستثمر بعد. فهناك مئات الكتب والمذكرات واليوميات والرسائل التي كتبها أطباء، ورحالة، وجغرافيون، ودبلوماسيون، ومهندسون، عاشوا في الجزيرة العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. وبعض هذه المصادر معروف، لكن كثيرًا منها لا يزال حبيس الأرشيفات والمكتبات الغربية، ولم يُقرأ قراءة علمية شاملة داخل المملكة. وهذه المصادر لا تهم الباحثين وحدهم، بل تهم كل سعودي يريد أن يفهم كيف كانت بلاده، وكيف رآها الآخرون قبل أن تصبح الدولة التي يعرفها العالم اليوم.إن ما يدفعني إلى مواصلة هذا المشروع ليس الرغبة في إعادة سرد التاريخ، وإنما الرغبة في إعادة اكتشافه. فالتاريخ لا يعيش في الكتب المدرسية وحدها، بل يعيش أيضًا في المذكرات الشخصية، ورسائل الأطباء، ودفاتر الرحالة، وتقارير المهندسين، وفي كل شهادة كُتبت في زمانها قبل أن تتحول إلى وثيقة تاريخية. وعندما نجمع هذه الشهادات معًا، فإننا لا نقرأ تاريخ الغرب في الجزيرة العربية، بل نقرأ تاريخ المملكة العربية السعودية من زاوية أخرى، تضيف إلى السردية الوطنية ولا تنافسها، وتثريها ولا تستبدلها. وهذا المشروع ليس جهدًا فرديًا، بل ثمرة تعاون علمي يجمعني بالأستاذ عبدالمحسن الماضي وعدد من الزملاء والباحثين، إيمانًا منا بأن إعادة اكتشاف هذه المصادر الغربية المبكرة تمثل إضافة حقيقية إلى كتابة تاريخ المملكة وتوثيق مسيرتها.ولهذا فإنني لا أزال أؤمن بأن السؤال الذي طرحته في مقالي السابق ليس سؤالًا عابرًا، بل هو سؤال يستحق أن يتحول إلى مشروع وطني للقراءة والبحث والتوثيق: لماذا يحتاج السعوديون إلى قراءة مرحلة ما قبل النفط؟ لأن هذه المرحلة لا تروي لنا كيف كانت المملكة فحسب، بل تفسر أيضًا كيف أصبحت المملكة ما هي عليه اليوم. فكل مدينة حديثة، وكل جامعة، وكل طريق، وكل مركز أبحاث، وكل مشروع تنموي، له بداية في زمن لم يكن فيه النفط هو عنوان القصة، وإنما كان الإنسان السعودي هو عنوانها الأول. ومن هنا فإن قراءة مرحلة ما قبل النفط ليست عودة إلى الماضي بدافع الحنين، وإنما عودة إلى الجذور التي تشكلت فيها الدولة، وتكون فيها المجتمع، وصُنعت فيها القيم التي مكنت المملكة لاحقًا من استثمار ثروتها الطبيعية وتحويلها إلى مشروع حضاري. فالأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من تاريخ، وبقدرتها على فهم ذلك التاريخ، لأن الوعي بالبدايات هو الخطوة الأولى نحو بناء المستقبل. فالأمم التي تنسى بداياتها، كثيرًا ما تخطئ في قراءة حاضرها، أما الأمم التي تفهم كيف بدأت، فإنها تكون أكثر قدرة على صناعة مستقبلها.