المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به.. ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.البَلَدُمفردة بلد من الألفاظ العربية التي تحفل بالدلالات والمعاني، وكذلك بالمشتقات العديدة، وهي من الألفاظ التي استخدمت في الماضي ولا تزال تستخدم في عصرنا الراهن، وحالها حال باقي مفردات العربية إذ يتغير المعنى بتغير التشكيل والحركة الصوتية للحروف، والملاحظ أن هذه الكلمة قد احتفظت بدلالاتها حتى في عصرنا الحديث هذا.استُخدمت كلمة «بَلَدُ» للإشارة إلى موضع من الأرض يأهله السكان، وقد يكون خالياً، وجمعها بِلَادٌ، وَبُلْدَانٌ، وَأَبْلَادٌ، وَأَبْلُدٌ، وَبَلَائِدُ، ففي عصر ما قبل الإسلام (الجاهلية): نجد شاهداً من قول مالك بن فهم الأزدي، يذكر فيه نأيه عن جيرانه، فيقول:بِلَادٌ قَدْ نَأَى عَنْهَا مَزَارِي وَجِيـرَانُ الْمُجَـاوَرَةِ الْأَدَانِي.أما في عصر الإسلام فقد قال دريد بن الصمة:وَهَلْ أَنْتَ إِلَّا بَيْضَةٌ مَاتَ فَرْخُهَا ثَوَتْ فِي سُلُوخِ الطَّيْرِ فِي بَلَدٍ قَفْر.وفي القران الكريم، نجد قول الله تعالى: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ».وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْبُنْيَانُ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الْمَكَانَ، وَيُوشِكُ الشَّامُ أَنْ يُفْتَحَ فَيَأْتِيهِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ فَيُعْجِبُهُمْ رِيعُهُ».أَمَّا فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ، فَقَدْ قَالَ الْبَعِيثُ الْمُجَاشِعِيُّ:وَنَحْنُ حَدَرْنَا طَيِّئاً عَنْ بِلَادِهَاوَنَحْنُ رَدَدْنَا الْحَوْفَزَاتِ مُكَلَّمَاوورد في عصر الدول والإمارات، قَوْلُ ابْنِ الْآبَارِ مُتَرْجِماً لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِاللَّهِ: «وَدَخَلَ الْعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ وَأَقَامَ بِهَا أَعْوَاماً، وَطَارَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ».أما في العصر الحديث، فقد قال الْبُجَيْرِمِيُّ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ: «وَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى حَصَّتِ الرُّؤْيَةُ لِلْبَلَدِ الشَّرْقِيِّ لَزِمَ رُؤْيَتُهُ فِي الْبَلَدِ الْغَرْبِيِّ».بهجبَهَجَ (بِفَتْحِ الهاءِ) الشَّيْءُ فُلاناً يَبْهَجُ (بِفَتْحِ الهاءِ) بَهْجاً: حَسُنَ ونَضُرَ، من المفردات العربية التي تحمل كذلك عدداً من الدلالات والمعاني، واستخدمت في عصور عربية مختلفة، وتشير في معانيها الكلية إلى الحسن والنضارة، وكذلك السرور والفرح، وتستخدم إلى الآن بذات المعنى الذي يسرب إلى النفس الشعور بالفرح والسرور والسعادة، فهي من الألفاظ ذات الحمولة الإيجابية.ووردت العبارة في عصر ما قبل الإسلام في قول الشاعر عبد مناف بن ربع الهذلي:وَجَاءَ رَيْعَانُ جَرَادٍ مَائِجَةْسُمَّ الرَّبِيعِ فَاسْتَسَرَّ بَاهِجُهْ.والملاحظ أن المعنى في البيت يحمل تلك الدلالات التي تشير إلى الجمال الذي اختفى عندما غابت عن الربيع (بَهجته) بسبب ما فعله الجراد.أما في العصر العباسي، فقد قال أبو إسحاق القيرواني وهو يصف كتاباً:«قَدْ أَهْدَيْتَ إلى مَحاسِنِ الدُّنْيا مَجْموعَةً في ورَقِهِ، وباهِجَ الحَلْيِ والحُلَلِ مَحْصورَةً في طَبَقِهِ».أما في عصر الدول والإمارات فقد قال عَبْدُاللهِ اليافِعِيُّ يَمْدَحُ الإِمامَ الشّافِعِيَّ:إِمامَ الهُدَى السّامي عُلىً أَوْ بَراعَةًونورَ الوجودِ الباهِجِ الـمُتَشَعْشِعا.وهي هنا وردت بذات معاني الحبور والجمال.«بَلَعَ»واللغة العربية فيها من المفردات والألفاظ القوية التي تقود إلى المعنى المباشر، ومنها كلمة «بَلَعَ»، وهي التي تشير في معانيها الكلية إلى ازدراد الشيء، وظلت تستخدم لعصور مختلفة بذات الدلالات حتى يومنا هذا حتى في الكلام العامي في مختلف البلدان العربية.والفعل بَلَعَ (بِفَتْحِ اللّامِ) فُلانٌ الشَّيْءَ يَبْلَعُ (بِفَتْحِ اللّامِ) بَلْعاً: ازْدَرَدَهُ وجَرَعَهُ، واستخدم في ذات المعاني في مراحل زمانية مختلفة، ففي العصر الإسلامي ورد في القرآن الكريم قول الله ﷻ: ﴿وقيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي ماءَكِ ويا سَماءُ أَقْلِعي وغيضَ الماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوتْ على الجودِيِّ وقيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمينَ﴾. (هود: 44)كما قال النَّبِيُّ ﷺ وهو يُجيبُ زَوْجَهُ عائِشةَ عِنْدَما سَأَلَتْهُ عَنْ طَهارةِ الحَدَثَيْنِ حينَ يَذْهَبُ إلى الخَلاءِ: «يا عائِشةُ أَو ما عَلِمْتِ أَنَّ الأَرْضَ تَبْلَعُ ما يَخْرُجُ مِنَ الأَنْبِياءِ».أما في العصر الحديث فقد قال البُجَيْرَمِيُّ وهو يَذْكُرُ ما يُسَنُّ تَرْكُهُ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لحِكْمةِ الصَّوْمِ: «وتَرْكُ عَلْكٍ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرّيقَ، فَإِنْ بَلَعَهُ أَفْطَر».
ADVERTISEMENT
مقالات ذات صلة

الذهب يتراجع إلى أدنى مستوياته متأثراً بصعود الدولار
تراجع الذهب "الجمعة" إلى أدنى مستوياته في أكثر من أسبوع، متأثراً بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وصعود الدولار. More...
Al-Emarat Al-Youm
May 16, 2026

سفير مملكة تايلاند لدى الإمارات: 170 ألف زائر من الإمارات إلى تايلاند سنوياً و15 رحلة جوية يومية بين البلدين
أبوظبي- الوطن: أكّد سعادة بولبونج فانجفاين، سفير مملكة تايلاند لدى دولة الإمارات أن العلاقات الإماراتية – التايلاندية تدخل مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي في عام 2026، حيث من المتوقّع أن تشهد الشراكات الثنائية في مجالات التجارة والسياحة والتكنولوجيا والاستثمار نموّاً ملحوظاً. وفي مقابلة مع موقع “أخبار السياحة الخليجية”“gulftourism.news “ سلّط سعادة السفير فانجفاين الضوء على…
Al Watan
May 16, 2026
ADVERTISEMENT
