قبرص حيث يُسقى التاريخ

#جو عام في رحلته الممتدة من كتاب لآخر، لاستكشاف العالم عبر ترجمات الأدب، نذهب مع مينا مبارك إلى قبرص كرحالة مطلع (أو رحالة الغلابة). ومن حسن حظنا أن الكتاب الذي يدله على الجزيرة ذات التاريخ المعقد والانقسام بين اليونان وتركيا وبريطانيا، يقدمها كأفضل مكان للشرب، بل يحيل التاريخ إلى مشروبات تُصب في الكؤوس، في صحتكم. #قراءة #دليل في صيف 1974، وسط الكثير من الدراما السياسية والمشاحنات الدينية ومحاولات الاغتيال في جزيرة تمثل مساحتها واحد في المئة من مساحة مصر، فقبرص لا تتعدى عشرة آلاف كيلومتر مربع، وقفت بشائر القوات التركية ونصبت أعلامها على شمال الجزيرة، فيما أسمته تركيا تدخلًا، ودعاه العالم غزوًا لقبرص التي لم يتعايش فيها السكان ذوو الأصول اليونانية مع إخوانهم ذوي الأصول التركية عبر عقود متتالية من التدخلات الخارجية. وانتهى بانقسام العاصمة نيقوسيا إلى مدينتين، مثل برلين -الشرقية والغربية- بجزأين؛ شمالي وجنوبي، امتدا حتى طالا الجزيرة برمتها؛ الشمال للأتراك، والجنوب لليونان، والخط الأخضر غير المأهول الفاصل بين النصفين استولت عليه قوات السلام التابعة للأمم المتحدة، والمملكة المتحدة تحاول أن تحصل على أي لحسة متبقية من كعكة الوطن. إذ صارت العاصمة هي المُلتقى الوحيد بين النصفين، غير المفصول بمنطقة لا مأهولة، وغدت نواة المفاوضات، وفشلها! في قلب هذه المدينة المُنصّفة بين الشعبين والدينين والسياسات المتضاربة، وعلى طول الخط الفاصل بحيث يشقه إلى نصفين، انتصب فندق ليدرا بالاس، وعبره تسري أحداث روايتنا «براندي لاذع». ومؤلفتها كونستانتيا سوتيريو لا تستسهل بجعل الصراع القبرصي قصة حب أو حرب أو سردية حُبكت ألف مرة من قبل، بل تسرد تاريخ بلدها الحديث عبر قالبٍ سردي جديد يقوم على استعراض المشروبات الشهيرة في قبرص، وبناء شخصيات استعراضها وفق مُفضّلاتهم. فتبدأ براندي لاذع على اسمها بالمشروب الذي طلب الملك فاروق من نادل بار فندق «ليدرا بالاس» أن يعده له، والذي -حسب تصريح المؤلفة نفسها في مقطع فيديو على حساب دار العربي على إنستجرام- أراد أن يبدو من الخارج كشاي مثلج، بيد أنه يحتوي كحولًا يستطيب به الملك كي يشتت عقله في معقله الساحلي عن لوعة الفقدان والحنين إلى أزمنة ولت، ومنها تتابع المشاريب والشخصيات على طول سردها. ولربما حازت سوتيريو بسبب هذا القالب الجديد، أو التأريخ المُنكّه، جائزة الكتاب القبرصي الوطني لعام 2023. وربما لهذا ترجمها إلى العربية محمد عباس عبد العزيز بطريقة سلسة لكن مُربكة قليلًا، وبحاجة ماسة للمَحص اللغوي والتحريري، قبل أن تنشرها دار العربي ضمن إصدارات معرض كتاب القاهرة 2026. من خلال اثنين وعشرين فصلًا بمشروبٍ وشخصية وحكاية فردية خاصة لكلٍّ منها، تضع سوتيريو قطع البازل الخاص بها على صفحة البحر الأبيض المتوسط لترسم خارطة تاريخ جزيرتها، لتكتمل لوحتها مع نهاية الرواية القصيرة، دون أن تبرز السياسة أو الصراع التاريخي الشهير -والمُتوقع تناوله- تحت هالة كشاف استاد دولي ضخم، بل تجعل مشروباتها -مثلما يخبرنا اسم الرواية- محورًا يرسم طبيعة شخصياتها وتجاربهم في الحياة عبر تفضيلاتهم وذائقتهم اللسانية. ولوضع الحكاية في سياقها، فالقليل من التوضيح التاريخي لا يضر؛ استوطن الجزيرة يونانيون منذ ما يقرب من ألف وأربعمائة عام قبل الميلاد، وتعاقبت عليها الممالك مُحتلةً (من الطريف أن نعلم أن مصر احتلت قبرص مرتين؛ الأولى في عهد الأسرة السادسة والعشرين، في عهد أحمس الثاني وبسماتيك الثالث، والثانية في عهد السلطان برسباي المملوكي في عام 1426 لدك القاعدة الصليبية هناك، فيما لم يُعتبر احتلالًا صرفًا بقدر كونه حملة عسكرية فرضت سيطرتها. قوض النفوذ المصري مع وفاة برسباي في عام 1438، وتوقفت قبرص عن دفع الجزية ونالت استقلالًا وقتيًا قبل أن تحتلها البندقية، ثم الدولة العثمانية)، إلا أن البداية الحديثة للتاريخ القبرصي تبدأ من التملك العثماني للجزيرة في 1571، فوقتها بدأت قومية القبارصة الأتراك في الظهور والتبلور. حكمها السلاطين لمدة ثلاثمائة وسبع سنين، حتى تنازل عنها السلطان عبد الحميد الثاني في 1878 لصالح الدعم البريطاني للعثمانيين في حربهم التركية الروسية، ثم أعلنت المملكة التي لا تغيب عنها الشمس ضم الجزيرة لها في 1925. حكمت بريطانيا قبرص وسوّت مراجل اندلاع النزعة القومية عند الطرفين التركي واليوناني. وبعد الكثير من العنف الممنهج وطلبات الاستقلال، حازت قبرص حريتها عام 1960، لا لكي تنتهي القصة بـ«تمت» سعيدة، بل ليبدأ الصراع الطائفي الحقيقي في التنامي نحو السطح. تدخل قبرص حينها في تناحرات سياسية، ويُنتخب كبير أساقفة من أصولٍ يونانية رئيسًا للبلاد، يحاول الآرشبيشوب مكاريوس إمساك العصا من المنتصف بين العرقين، بيد أن انقلابًا مسلحًا عام 1974 قادته القوات العسكرية اليونانية بالتعاون مع الحرس الوطني يسقطه عن حكمه، فيهرب إلى نيويورك داعيًا الأمم المتحدة للتدخل. في لحظة الربكة المثيرة هذه، تستغل الحكومة التركية الوضع وترعى عملية عسكرية واسعة اسمتها «أتيلا» لاحتلال شمال قبرص فيما يقرب من 40% من مساحة الجزيرة، وهو ما نتج عنه نزوح قرابة ثُمن مليون قبرصي يوناني للجنوب، وهجرة خمسين ألف قبرصي تركي للشمال. ساهمت الأمم المتحدة في محاولة فض النزاع والصلح وعاد مكاريوس إلى حكم الجزيرة صوريًا؛ فقد أعلنت تركيا اعترافها بـ«جمهورية شمال قبرص التركية» في 1975 دون المقدرة الوطنية لفرض الاتحاد جبريًا، وبغير حل دولي ينفذ قرار مجلس الأمن الدولي بعدم شرعية قبرص الشمالية، إذ لم تنزاح القوات العسكرية التركية عن الجزيرة، ولم تُضاعف الدول السيادية من ضغطها لتنفيذ القرار. ظل ذلك الوضع قائمًا حتى يومنا هذا، بقبرصين مختلفتين على جزيرةٍ واحدة. بالعودة إلى روايتنا؛ نشرب شاي اللافندر مع رجل يهودي يجد نفسه في أرض شتات داخل معركة لن ينتصر فيها أبدًا لأن الطرفين ضده، فيترك أزهار اللافندر الجافة في ماء ساخن لمدة دقيقتين ثم يصفيّه ويحليه بالعسل كي يساعده على النسيان. ومشروب الزيفانيا الذي يغذي إيمان رئيس الأساقفة ولا يُذهبه، فيشربه في كأس صغيرة مثلجة ليحفظ قلبه الذي خذلته الخيانة. وعيران حليب الماعز مع النعناع الذي يقطع من أجله رجل تركي المدينة نحو جانب العدو كي يبتاعه من رجل يوناني مشهورٍ بجودته، فيشرب حليبه المثلج مخفوقًا مع الزبادي ومُنكّهًا بنعناع ورشة ملح. والبيرة التي تُمكّن مصورًا من تحمل طبيعة عمله ومشاهد الحرب التي يُطالب بتسجيلها دون القدرة على الإغاثة، يقتل عطشه بها باردة لينسى الحرب ولو للحظة. ومنقوع النعناع الذي يتناوله رئيس البلدية مع «رئيس بلدية» الجانب الآخر في مفاوضاتهما داخل إحدى قاعات الفندق لمحاولة الوصول إلى حل لمشكلة تؤرق البنية التحتية لمدينتهما المحبوبة ويجبرهما الفصل العرقي على تجنيبها، يحتسيه برفق طازجًا مع كثير من السكر وماء ساخن فيجعل رائحته طيبة ويمنحه القوة ليوحد مدينته. وماء القديس أندراوس المقدس الذي تتبارك به النسوة البسيطات، يدًا بيد مع شفاعة النبي محمد، كي يرفع الرب غضبه عن جزيرتهن المنكوبة، يأخذنه من النبع، من القديس نفسه، يملأن به أكففهن ويغتسلن أو يشربنه بوفرة. فيما يفضل أفراد منظمة الأمم المتحدة احتساء الليمونادة في اجتماعاتهم الدبلوماسية التي لا تنجح في عمل أي شيء، يضعونه مع كمية من السكر البني ويحركونه حتى يذوب ثم يخففونه بماءٍ بارد لأنه يساعدهم على تحمل الحر، والأكاذيب. ودموع تمثال كائن الجريفن الأسطوري على زخرفات حوائط الفندق تنهمر لما كان من الممكن أن تكونه هذه الدولة المستقلة -وبدورها كل الدول المعروفة- إن لم يكن دأب الإنسان التفرقة وكراهية أخيه المُختلف الآخر، بيد أنه في بعض الأوقات، تعجز حتى الجريفين عن حماية القصور السحرية. قبرص سوتيريو ليست صاخبة كصفحات التاريخ المتعلقة بالجمهورية المستقلة المنقسمة؛ فروايتها هادئة كماء مثلج في يوم حار، مُرّة لكنها مُسكِرة، حلوة بشكل غير مبالغ فيه، ساكنة رغم اضطراب الأرض تحت أقدام شخصياتها المهمة المتحكمة في مصيرها، عاصفة بالمشاعر الغامرة لقلوب شخصيات شوارعها البسيطة، لا وجود للحرب بها إلا لافتقاد رجلٍ لزهرة شايه المفضلة مع خراب الضيعة التي اعتاد زراعتها فيها، لا أثر للانقسام والترحيل الجبري العرقي إلا في ذكرى رجل يعبر حدود المدينة الواحدة بحثًا عن مشروبه المفضل. ولا نهاية سعيدة لنيقوسيا المقسمة كنهاية حكاية برلين السعيدة. شخصيات سوتيريو هائمة، تتمسك بمشروباتها المفضلة كي تتمكن من المضي قدمًا؛ في رسالةٍ تحمل معنى أعمق من ظاهرها عبر عالم خرب مسلع يحتله الملل وسائلية الهمم، فمشروب قد يجعل أحدهم قادرًا على المعافرة لأن ذكرياته الحميمية معه تعده بمستقبل أفضل، أو تهدهد قلبه برخامة الماضي السعيد. ومشروب يمنح الأمان لمعتنقي أفكار قدسية أو يهدئ من رعب الخطر المتربص على الناصية الأخرى من الحزام الأخضر المحايد، ومشروب يخفف من حدة المعركة القائمة في عقل غير مستقر تنهشه الصراعات والأفكار والطموحات وخيبات الرجاء والحب والكراهية. أو مشروب يوحد قطبي أمة انقسمت كي يُخططا لإنقاذ مدينتهما المشتركة بتطويرها وترسيخ تاريخيتها لتتحدى الكراهية التي فاحت رائحتها في الأجواء؛ فـ«في الاجتماعات، كانا يشربان شاي النعناع المُحلّى بالكثير من السكر. يهملان بسرية ويتجنبان صحفيي كل طرف، وهما يدركان أن كثيرين يتمنون لهما الفشل… يدركان أن المدينة قد تكون مقسمة، لكن يمكنهما، على الأقل، توحيد نظام الصرف الصحي؛ فضلاتهما.»! في «براندي لاذع»، تتربع قبرص مثل درة على تاج العالم، وما الرواية إلا محاولة خافتة للفت انتباه المتناحرين حول حقيقة مفادها أن وطنًا ينتظرنا هنا، وأرضًا كادت أن تكون جنة لكنّنا أخفقنا جميعًا، بلد يحوي «كل مشروبات الدنيا هنا. تفضلوا واشربوا -في الفندق الكبير، في هذا الوعد، في مطلع عالمه الجديد. تفضلوا واشربوا، فهذا المبنى صنع ليحيا، وليتألق إلى الأبد». وفندقنا إيجاز بعضٍ من كل، فما يعنيه حقًا لا بد أن يكون قبرص ذاتها، أو كوكبنا المُتشاحن. وسلام. من جولات الرحّالة السابقة: فنزويلا، زيمبابوي، تصحبكم السلامة.The post قبرص حيث يُسقى التاريخ first appeared on Mada Masr.