.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
ليس الخلاف الذي انفجر في مجلس النواب حول المادة الثالثة من قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها خلافاً تقنياً على بضعة أسطر في نص مالي معقّد. كما أنه ليس، خلافاً لما حاول البعض تصويره، معركةً بين حاكم مصرف لبنان والحكومة، ولا صراعاً شخصياً على توسيع صلاحيات هذا المسؤول أو تقليص صلاحيات ذاك.
فالمسألة أعمق بكثير وتتصل بهرمية القوانين، وبحدود صلاحيات المؤسسات، وباستقلالية مصرف لبنان، وبالعلاقة بين المجلس المركزي والهيئة المصرفية العليا، وبالنتيجة بالسؤال الدستوري الأوسع: هل يجوز، تحت عنوان الإصلاح أو الاستجابة لمتطلبات مؤسسة دولية، إعادة هندسة التوازن المؤسسي الذي وضعه قانون النقد والتسليف من دون أن ينشأ عن ذلك تضارب في الصلاحيات أو ازدواجية في القرار؟
والأهم أن هذه المناقشة لم تبدأ في صيف 2026، بل قبل سنة كاملة. ففي صيف 2025، أقرّ مجلس النواب قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، الذي أصبح القانون رقم 23 تاريخ 14 آب 2025.
وقبل توقيع القانون وإصداره، أراد رئيس الجمهورية أن يتأكد من متانة النص ومن قدرته على الصمود، ليس فقط سياسياً، بل قانونياً ومؤسساتياً.
ولهذه الغاية، عُقد اجتماع في القصر الجمهوري حضره وزير المالية وحاكم مصرف لبنان، إلى جانب فريق ضيق من المستشارين القانونيين والقضاة والمسؤولين في رئاسة الجمهورية.
وتمت مراجعة المواد الأساسية ولا سيما تلك التي ترتب آثاراً مباشرة على صلاحيات المؤسسات المالية والرقابية وعلى عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وفي نهاية النقاش، طرح رئيس الجمهورية سؤالاً مباشراً وبسيطاً في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية في مضمونه:
ماذا لو عاد صندوق النقد الدولي لاحقاً بملاحظات إضافية على القانون؟
كان جواب وزير المال وحاكم مصرف لبنان متقارباً وواضحاً: القانون، بصيغته التي أقرها مجلس النواب، مرضٍ إلى حد كبير، وإذا ظهرت بعض الملاحظات الإضافية المحدودة من صندوق النقد، فيمكن استيعابها، حيث يلزم، في القانون المقبل المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف اصطلاحاً بقانون الفجوة.
وبناءً على هذا الفهم المؤسساتي، صدر القانون ونُشر في الجريدة الرسمية.كان يفترض أن تكون صفحة قانون إصلاح المصارف قد طُويت، وأن ينتقل النقاش الوطني إلى الحلقة التالية والأكثر حساسية: تحديد الخسائر، وتوزيع المسؤوليات، ووضع آلية واقعية وعادلة لاسترداد الودائع.
لكن ذلك لم يحصل. اذ بعد أسابيع قليلة، تقدّم عشرة نواب بمراجعة أمام المجلس الدستوري طعناً بالقانون.
وهنا اكتسب القانون أهمية إضافية: فهو لم يعد مجرد نص أقرته السلطتان التشريعية والتنفيذية، بل أصبح موضوع رقابة دستورية فعلية.
المجلس الدستوري لم يبطل القانون برمته. بل أخضع الأحكام المطعون فيها والمبادئ المرتبطة بها لفحص دستوري، وانتهى إلى إبطال أجزاء محددة وتحصين أجزاء أخرى بتفسير ملزم.
وكان من أبرز ما عالجه المجلس مسألة الحق في التقاضي. فالقانون لا يستطيع أن يمنح سلطة إدارية أو تنظيمية، مهما كانت أهمية مهمتها، حصانة تحول دون حق المتضرر في اللجوء إلى القضاء.
لذلك أسقط المجلس، من بين ما أسقطه، العبارة التي كانت تحدّ عملياً من أثر الطعن في قرارات الهيئة المصرفية العليا وتحصر نتيجة المراجعة القضائية بالتعويض المالي. كما صحّح أحكاماً أخرى تتعلق بمهل الاعتراض وبإحالة الدعاوى العالقة وبوضوح بعض النصوص.
وبعبارة أخرى، خضع القانون لاختبار دستوري حقيقي، وأُبطل منه ما اعتبر المجلس أنه يتعارض مع الضمانات الدستورية، فيما رُدّت سائر الأسباب والمطالب.
وهذه النقطة ستصبح لاحقاً شديدة الأهمية في النقاش حول المادة الثالثة.فبعد أشهر، عادت المسألة من باب آخر.
قدّم صندوق النقد الدولي إلى وزارة المال سلسلة واسعة من الملاحظات على قانون إصلاح المصارف. وبدلاً من التعامل معها كملاحظات يمكن درسها في إطار قانون الفجوة، كما كان مفهوماً عند صدور القانون، جرى إدراج مجموعة كبيرة منها في مشروع تعديلات جديد على القانون نفسه.
وهكذا وجد النواب أنفسهم أمام وضع غير مألوف: قانون أقرّ قبل أشهر، خضع لمراجعة المجلس الدستوري، ثم أعيد فتحه بصورة واسعة بناءً على ملاحظات مؤسسة دولية.
فبعد أن بدأت لجنة المال والموازنة مناقشة التعديلات المحالة إليها، وصلت ملاحظات إضافية من صندوق النقد، ما أثار استياءً واسعاً داخل اللجنة.
السؤال الذي طرحه عدد من النواب كان منطقياً: أين تنتهي ملاحظات الصندوق؟
فمجلس النواب لا يستطيع أن يشرّع على هدف متحرك. ولا يمكن للجنة نيابية أن تناقش نصاً، ثم تصلها أثناء المناقشة تعديلات جديدة، ثم تعديلات على التعديلات.
طالب النواب بأن يقدم صندوق النقد موقفه النهائي بوضوح وبشكل مكتوب، كي يدرسه البرلمان مرة واحدة ويتخذ قراره بشأنه: يقبل ما يراه مناسباً، ويرفض ما يراه متعارضاً مع القوانين اللبنانية أو مع المصلحة العامة.
وفي نهاية المطاف، ولتفادي المزيد من التأخير، قررت لجنة المال والموازنة المضي في القراءة الثانية، وعقدت سلسلة جلسات شهد بعضها نقاشات قانونية ومالية حادة، قبل أن ترفع إلى الهيئة العامة صيغة نهائية أُقرت بأكثرية أعضاء اللجنة.
المادة الثالثة: الخلاف الذي اختُصر خطأً بصلاحيات الحاكم
عند وصول المشروع إلى الهيئة العامة، أُقرّ معظم التعديلات. لكن المادة الثالثة بقيت العقدة الأساسية.
وهنا لا بد من تصحيح إحدى أكثر الروايات تضليلاً التي رافقت النقاش.
لم يكن مصرف لبنان يطالب بتوسيع صلاحيات الحاكم.
بل إن حاكم مصرف لبنان يرأس، بحكم موقعه، الهيئة المصرفية العليا أيضاً. وبالتالي فإن تصوير الخلاف وكأنه محاولة من الحاكم لانتزاع صلاحيات لمصلحته الشخصية يتجاهل البنية القانونية للمؤسسات المعنية.
الخلاف الحقيقي كان بين صلاحيات مؤسستين داخل المنظومة القانونية نفسها: المجلس المركزي لمصرف لبنان من جهة، والهيئة المصرفية العليا من جهة أخرى.والفارق جوهري.
المجلس المركزي يمارس صلاحيات ذات طابع عام تتعلق بالسياسة المصرفية والنقدية والمالية وبسلامة القطاع ككل، ضمن الإطار الذي رسمه قانون النقد والتسليف.
أما الهيئة المصرفية العليا، فلها وظيفة مختلفة وأكثر تحديداً عندما يتعلق الأمر بمصرف بعينه يدخل في مسار الإصلاح أو إعادة التنظيم أو التصفية.
أي أن إحدى السلطتين قطاعية وعامة، فيما الأخرى إجرائية وفردية تتعامل مع حالة مصرف محدد.
لم يقل مصرف لبنان إن الهيئة المصرفية العليا يجب أن تكون تابعة للمجلس المركزي في قراراتها المتعلقة بمصرف يخضع للإصلاح. ولم يطالب بإلغاء استقلاليتها في الملفات التي أناطها القانون بها.
كان مطلبه أكثر بساطة: أن يقول القانون بوضوح إن الصلاحيات الجديدة تمارس مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70 منه.
فقانون النقد والتسليف هو القانون الأساسي الذي أنشأ البنية القانونية لمصرف لبنان وحدد مهماته وصلاحياته وعلاقته بالدولة والقطاع المصرفي. كما أن الهيئة المصرفية العليا نفسها ليست جسماً ظهر من فراغ قانوني، بل هي جزء من المنظومة التي أسسها هذا القانون.