هل يمنح التتويج الكاتب شرعيته، وما الذي يبقي الأدب حيا؟
في أكتوبر من كل عام، تتصاعد الأسئلة حول نوبل للأدب. من يفوز هذه المرة؟ وأي لغة تستوقف الأكاديمية السويدية؟ وفي الأوساط الثقافية العربية تتداول أسماء وتوقعات، وتتجدد الرغبة في أن يكون للاسم العربي حضور في هذا المشهد. هذه ترشيحات إعلامية وآمال قراء، وليست بالضرورة أسماء مرشحة رسميا. وفي موسم إعلان نوبل للأدب، يتجاوز الانشغال بالجائزة اسم الفائز إلى ما علقناه عليها من أحلام الاعتراف والخروج من الهامش. عندئذ يكشف الحديث عن التتويج كيف نتصور قيمة الأدب، ومن نمنحه حق التصديق عليها.
ويتكرر المشهد، بدرجات مختلفة، مع غونكور والبوكر وبوليتزر، ومع الجائزة العالمية للرواية العربية وكتارا. قوائم تترقب، وأسماء تتقدم إلى واجهة الحديث، وكتب تستعيد حظها من الاهتمام. لا غرابة في أن يتمنى الكاتب التقدير، أو أن يسعى إلى فرصة تتيح له التفرغ والانتشار. لكن اللهاث يبدأ حين يتصور أن الجائزة ستمنحه الصك الذي يثبت أنه أديب، وأن الكتابة خارج ضوئها تظل ناقصة الشرعية.
وقد تتسرب هذه الحاجة إلى النص قبل اكتماله. يعتسف الكاتب مادته كي توافق تصوره عما تقبله اللجنة، ويضخم موضوعا أو يبدل نهاية أو يستعير نبرة يظنها أقرب إلى التتويج. لا يعود العمل يبحث عن صورته الأخص، بل عن المقاس الذي يتخيل أن الجائزة تنتظره. هنا يستحق الوهم أن يقرأ، في علاقة الكاتب بنفسه وبالمؤسسة التي منحها حق التصديق على موهبته.
الجائزة علامة صغيرة ذات أثر واسع، حين تستقر على الغلاف، ترافق الكتاب إلى المكتبة والمراجعة الصحفية وحديث القراء. قد تمنحه فرصة كان سيحرم منها، وقد تجعل قارئا يتريث أمام عمل صعب. وفي الحالتين تسهم في صناعة شروط اللقاء بين النص وجمهوره. قيمة هذه الوساطة واضحة، خصوصا في عالم تتزاحم فيه الكتب وتتفاوت فيه إمكانات الوصول إليها.
غير أن الوساطة قد تتحول إلى بديل عن اللقاء نفسه. نتحدث عن رواية لأنها فازت، ثم نستشهد بفوزها لإثبات أنها جديرة بالحديث. تدور القيمة في حلقة لا تحتاج إلى المرور بالتجربة الجمالية. يغيب السؤال عن بناء الشخصيات وإيقاع اللغة وطريقة تشكيل الزمن، ويحل محله خبر صالح للتداول. تصبح القراءة أحيانا تصديقا لما قيل على الغلاف.
وحين يستقر هذا المنطق في وعي الكاتب، يعيد ترتيب علاقته بماضيه. تتقلص الكتب التي كتبها والقراء الذين مسهم إلى مقدمات لحفل محتمل، وكأن أثرها السابق لا يكفي لمنحه الثقة في مساره، ويمكن لهذا الانتظار أن يجعل العمل المقبل مشغولا بسؤال القبول قبل أن ينضج سؤاله الفني، فيتخيل الكاتب لجنة داخل غرفة الكتابة، ويمنحها مقعد القارئ الأول.
نوبل وغونكور والبوكر وبوليتزر أسماء مرموقة، لكنها لا تنظر إلى حقل واحد بالشروط نفسها.
نوبل للأدب تحتفي بمنجز الكاتب، بينما ترتبط غونكور بعمل مكتوب بالفرنسية، وتشترط البوكر أن يكون العمل مكتوبا أصلا بالإنجليزية ومنشورا في المملكة المتحدة أو أيرلندا. أما البوكر الدولية فتختص بالأعمال المترجمة إلى الإنجليزية والمنشورة فيهما. اختلاف هذه الحدود يغير ما تستطيع كل جائزة رؤيته، بصرف النظر عن مكانتها.
وبوليتزر، على شهرتها العالمية، تعمل جوائزها الأدبية ضمن إطار أمريكي وشروط أهلية محددة، اتسعت لتشمل، إلى جانب المواطنين، المقيمين الدائمين ومن اتخذوا الولايات المتحدة موطنا رئيسيا منذ زمن طويل. شهرة الجائزة خارج حدودها لا تجعلها مسابقة مفتوحة لجميع آداب العالم، ومن الخطأ أن نعامل عدم الحصول عليها كما لو كان إخفاقا فنيا لكاتب لم يدخل أصلا في مجال اختصاصها.
وفي المجال العربي، تسهم الجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة إعلاميا بالبوكر العربية، وجائزة كتارا في توسيع فرص الانتشار، تدعم الأولى وصول الروايات عبر الترجمة، وتتيح كتارا مسارات للروايات المنشورة وغير المنشورة، مع مزايا للطباعة والترجمة، هذه أعمال ثقافية ملموسة تستحق التقدير، لكن توفير طريق إلى قارئ بعيد يظل مختلفا عن ضمان أن يجد النص لدى ذلك القارئ حياة طويلة.
ما نحتاج إلى مساءلته هو انتقال الهيبة من شروطها المحددة إلى حكم كلي، فقرار لجنة، مهما بلغت خبرتها، يصدر داخل أفق من الأعمال المتاحة والمعايير واللغات وأشكال الترشيح. حين ننسى هذا الأفق، يبدو الاختيار كأنه اكتشاف نهائي لترتيب كان موجودا في الطبيعة، ويبدو من بقي خارجه أقل جدارة تلقائيا.
رحل ميلان كونديرا عام 2023 من دون أن ينال نوبل، ولم يحصل عليها تولستوي وجيمس جويس وفرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس وفلاديمير نابوكوف. ويظل الكاتب الياباني هاروكي موراكامي، حتى موعد كتابة هذا المقال، خارج قائمة الفائزين. المقصود هنا عدم الفوز بنوبل تحديدا، فبعض هؤلاء نال جوائز أخرى وغياب اسم عن سجل واحد لا يخل علاقته بالتقدير الأدبي.
يصعب أن نقرأ هذا الغياب بوصفه نقصا في أعمالهم. فالأثر الذي تركوه في تخيل الرواية والقصة واللغة لا ينتظر تسوية إدارية متأخرة، لم يكن على قارئ كونديرا أن يؤجل علاقته بعالمه حتى تمنحه الأكاديمية السويدية الإذن، ولم تتوقف متاهات بورخيس عند باب لم يفتح له. وجود هذه الأسماء يكفي لإبطال المطابقة بين سجل الجائزة وخريطة الأدب، دون أن يجعل كل قرار فيها موضع اتهام.
ولسارتر موقع مختلف ينبغي ألا يضيع في تعداد غير الفائزين. لقد مُنح نوبل عام 1964 ورفض قبولها، انسجاما مع موقفه من التكريمات الرسمية وخشيته من تحول الكاتب إلى مؤسسة. لا يلزمنا تبني خياره حتى ندرك ما يفتحه من سؤال، يمكن للكاتب أن يرى الاعتراف محاطا بتبعات تمس صورته وحريته، بينما يرى فيه كاتب آخر فرصة للعيش والكتابة والوصول إلى جمهور أوسع.
ولا يمنح غياب الجائزة شهادة تفوق مضادة، فكما لا يصبح كل متوج خالدا، لا يصبح كل محروم عبقريا، قلب المعادلة يبقيها على حالها، لأن الطرفين يجعل المؤسسة محور القيمة. المسافة النقدية تبدأ حين نستعيد الأعمال نفسها، ونسمح بالاختلاف حولها دون أن تحسم الميدالية النقاش، أو يتحول غيابها إلى وسيلة سهلة لتبرئة النص من ضعفه.
تبدو العالمية أحيانا كأنها صفة كامنة في النص، تنتظر من يستخرجها، لكن وصول الكتاب إلى لغات وأمكنة أخرى يحتاج إلى مترجم وناشر وموزع وقارئ ووسائل للتعريف، ليست فرص العبور متساوية، قد يظل عمل بالغ القوة محصورا لأن الطريق إليه ضيق، وقد يجد عمل آخر شبكة واسعة تضعه في واجهات بعيدة، لذلك لا يصح تفسير محدودية الانتشار دائما بقصور جمالي.
وهذا لا يلغي أثر اللغة والبناء، الحكاية قد تنتقل بسهولة، بينما يتطلب إيقاعها ومزاحها وتعدد أصواتها عملا شاقا في الترجمة، وما يصل إلى القارئ الجديد يتشكل في لقاء بين لغتين وخبرتين، مع احتمالات للكسب والفقد، للمترجم هنا دور يتجاوز نقل المعنى، إذ يشارك في صنع إمكان سماع النص خارج بيئته الأولى.
كذلك لا تعبر الخصوصية إلى العالم بمجرد تحويلها إلى موضوع مألوف.
أحيانا يفتح تفصيل دقيق في بيت أو قرية أو علاقة عائلية بابا لا تفتحه العبارات العامة عن الإنسان، لكن الإغراق في المحلي لا يضمن وحده قوة الأدب. ما يهم هو الطريقة التي تنشأ بها التجربة داخل الشكل، وكيف تمنح القارئ المختلف موضعا يدخل منه، مع بقاء ما يستدعي منه الإصغاء والتعلم.