في رحاب مكة.. مسابقة الملك عبدالعزيز ترسم أفقًا عالميًا لخدمة القرآن وأهله – سعدون مطلق  السوارج

ليست كل المناسبات التي تمرّ في روزنامة الأيام سواء؛ فبعضها يُقاس بزمن انعقاده، وبعضها يُقاس بما يتركه وراءه من أثر. وهناك مناسبات لا تكفي الأخبار وحدها لقراءة دلالاتها، لأنها تحمل في تفاصيلها تاريخًا من العمل، وتكشف في امتدادها عن رؤية تتجاوز حدود الحدث إلى بناء مؤسسة وذاكرة ومكانة.

ومن مكة المكرمة، حيث تتجه القلوب إلى المسجد الحرام، تأتي الدورة السادسة والأربعون من مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره، بمشاركة 334 متسابقًا ومتسابقة يمثلون 133 دولة من مختلف قارات العالم، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وتنظيم وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد. وقد بدأت منافسات الدورة في السادس من أغسطس 2026، وتواصلت تصفياتها النهائية في مكة المكرمة.

لكن اختزال هذا المشهد في خبر عن مسابقة قرآنية دولية، وإن كان صحيحًا من حيث الوصف، يظل أقل من حقيقة الحدث.

فالمشهد في مكة أوسع من منصة تنافس؛ إنه لقاء عالمي تتقاطع فيه الجغرافيا والثقافات والتجارب الإنسانية، ويجتمع فيه أبناء وبنات شعوب متعددة حول قيمة جامعة، فيما تؤدي المملكة دور الدولة المضيفة والراعية والمنظمة، التي سخّرت إمكاناتها لتطوير هذا الموعد الدولي، وفتحت أبوابه أمام العالم الإسلامي.

ستة وأربعون عامًا.. حين يصنع التراكم مكانة

في قراءة الأحداث الكبرى، لا تكفي لحظة الحاضر للحكم على قيمة المؤسسة؛ فالمؤرخ لا ينظر إلى الرقم منفصلًا عن سياقه، وإنما يسأل: كيف وصلنا إليه؟

ومسابقة الملك عبدالعزيز تقدم جوابًا واضحًا؛ فهي ليست وليدة دورة واحدة، وإنما امتداد لمسيرة بدأت عام 1399هـ، ثم واصلت المملكة تطويرها عبر عقود، حتى تحولت إلى ملتقى قرآني واسع الحضور، تتسع فيه المشاركة وتتطور فيه أدوات التنظيم والتحكيم والتغطية.

وهنا تكمن إحدى أهم علامات النجاح المؤسسي: الاستمرار الذي لا يكرر نفسه.

فالمؤسسة التي تعيد الحدث كل عام بالصورة ذاتها قد تحافظ على وجوده، لكنها لا تصنع بالضرورة تطورًا. أما المؤسسة التي تحافظ على أصل الرسالة، ثم تضيف إلى أدواتها وتوسع نطاقها وتراجع تجربتها، فإنها تبني تاريخًا قابلًا للتجدد.

وهذا ما تكشفه مسيرة مسابقة الملك عبدالعزيز؛ فالدورة السادسة والأربعون تأتي بإضافات جديدة، أبرزها المشاركة النسائية للمرة الأولى، واتساع الحضور الدولي، ورفع قيمة الجوائز، وتطوير الدليل والتنظيم والتغطية الإعلامية.

ومن منظور الباحث، فهذه التفاصيل ليست أخبارًا متفرقة؛ إنها وثائق على تطور المؤسسة نفسها.

133 دولة.. الرقم الذي يروي قصة عالم كامل

عندما يصل عدد الدول المشاركة إلى 133 دولة، فإن الرقم يفقد طبيعته الإحصائية البحتة.

كل دولة تحمل معها تجربة مختلفة في تعليم القرآن وحفظه وتجويده، وكل متسابق ومتسابقة يمثلان سنوات من التلقي والحفظ والمراجعة والانضباط، ولهذا فإن اجتماع 334 متسابقًا ومتسابقة في دورة واحدة لا يعني اتساع المشاركة فحسب، بل يعني أن المسابقة استطاعت خلال عقود أن تبني حضورًا دوليًا جعل هذا اللقاء يتجاوز الحدود الجغرافية.

ومن هنا تصبح مكة نقطة التقاء لا مجرد موقع انعقاد.

ففي المشهد الواحد يلتقي القادم من آسيا بالقادم من إفريقيا، ومن أوروبا بالعالم العربي، وتختلف اللغات والبيئات والمدارس القرآنية، بينما تبقى المساحة التي تجمع الجميع واحدة.

وهذه إحدى أعمق وظائف المسابقات الدولية: أنها تمنح الشعوب فرصة أن تتعارف من خلال ما يجمعها، لا من خلال ما يفرقها.

ولذلك فإن قيمة مسابقة الملك عبدالعزيز لا تُختصر فيمن يفوز بالمركز الأول؛ فهناك قيمة أخرى لا تظهر في جدول النتائج، تتمثل في الروابط الإنسانية والثقافية التي تتشكل بين المشاركين.

إضافة الإناث.. صفحة جديدة في تاريخ المسابقة

غير أن الدورة السادسة والأربعين تحمل تحولًا يتجاوز اتساع المشاركة الجغرافية، فقد شهدت للمرة الأولى إضافة قسم خاص بالإناث، لتدخل حافظات القرآن الكريم إلى المنافسة الدولية في مسار مستقل، بعد عقود من انطلاق المسابقة. وهذه ليست زيادة في عدد المشاركين فحسب؛ إنها إضافة إلى تاريخ المسابقة نفسه.

فالمؤسسة التي استمرت ستة وأربعين عامًا ثم توسع مجال المشاركة فيها لتشمل حافظات القرآن للمرة الأولى، إنما تقدم مثالًا على أن المحافظة على الإرث لا تعني تجميده، بل تعني القدرة على تطويره بما ينسجم مع اتساع رسالته.

وقد جاءت هذه الخطوة بموافقة خادم الحرمين الشريفين، ضمن المرحلة الجديدة للمسابقة.

وهكذا تدخل حافظات القرآن إلى سجل المسابقة لا كإضافة هامشية، بل كجزء من تحول تاريخي سيبقى مرتبطًا بالدورة السادسة والأربعين.

ثمة فرق بين أن تقام مسابقة دولية في مدينة، وأن تقام منافساتها في رحاب المسجد الحرام.

فالمكان هنا ليس خلفية للمشهد؛ بل أحد عناصر دلالته.

وتقام منافسات الدورة السادسة والأربعين في مكة المكرمة، وتتواصل تصفياتها النهائية في أجواء المسجد الحرام، في مشهد يضيف إلى المنافسة القرآنية بعدًا لا يمكن أن تمنحه الجغرافيا وحدها.

والباحث حين يتأمل علاقة المكان بالحدث يدرك أن مكة لم تكن اختيارًا تنظيميًا فقط؛ فهي المدينة التي تحمل في الوعي الإسلامي رمزية استثنائية، ولذلك فإن حضور المشاركين فيها يمنح التجربة معنى يتجاوز زمن المنافسة.

ومن المهم هنا التفريق بين مقر المنافسات وبين البرامج المصاحبة؛ فالمنافسات في مكة، بينما تمتد تجربة الوفود إلى برامج وزيارات ثقافية وتاريخية في مكة والمدينة. وهذا التفريق ليس تفصيلًا شكليًا؛ فالدقة في المعلومة جزء من قيمة الكتابة البحثية، خصوصًا حين يتحول الخبر إلى مادة تحفظ في ذاكرة الصحافة.

المملكة.. من الاستضافة إلى صناعة التجربة

الاستضافة الحقيقية لا تبدأ عند بوابة المنافسة، ولا تنتهي عند إعلان النتائج.

فهي منظومة تبدأ قبل وصول الضيف، وتستمر خلال إقامته، وتظهر في تفاصيل الاستقبال والتنظيم والتجهيز والتغطية والبرامج المصاحبة. وهذا ما تكشفه الدورة الحالية.

فوزارة الشؤون الإسلامية لم تكتفِ بإقامة المنافسات، بل أصدرت دليلًا تعريفيًا للدورة، ونظمت مراحل الوصول والتصفيات، ووسعت التغطية الإعلامية، كما وجهت بنقل فعاليات المسابقة عبر القنوات المحلية والدولية بما يتناسب مع طبيعتها الدولية.

ثم تأتي مظاهر الحفاوة خارج موقع المنافسة؛ إذ احتفت الوزارة بالمشاركين والمشاركات، وزُينت شوارع الرياض ومكة المكرمة وجدة بصور القيادة واللوحات الترحيبية بهم. وهنا تتحول الاستضافة إلى رسالة ثقافية.

فالضيف الذي يأتي إلى المملكة لا يعيش منافسة فحسب؛ بل يعيش تجربة متكاملة، يرى فيها التنظيم، ويلمس الحفاوة، ويتعرف إلى البيئة الثقافية، ثم يعود إلى بلده بذاكرة شخصية عن المملكة.

وهذا النوع من الأثر أعمق من أي وصف؛ لأن الإنسان يصدق ما عاشه أكثر مما يقرأه.

عشرة ملايين و260 ألف ريال.. حين يصبح التكريم جزءًا من الرؤية وتكشف قيمة الجوائز عن مستوى آخر من العناية.

فإجمالي جوائز الدورة السادسة والأربعين يبلغ 10 ملايين و260 ألف ريال، فيما ارتفع عدد الفائزين إلى 50 فائزًا وفائزة، بواقع خمسة فائزين في كل فرع من الفروع الخمسة.