في رثاء ذوات لا نراها

بقلم: عمرو غانم* يتناول هذا النص مواضيع حساسة كإيذاء النفس والموت وتعاطي المخدرات، وهي مواضيع قد تُزعج بعض القراء. تجولتُ حول سور الحديقة، مُندهشًا مما يُسمى «تطويرها». كلمةٌ شاع استخدامها بكثرة خلال السنوات العشر الماضية، وغالبًا ما تعني تدمير الطبقات المُعقدة من المعاني المادية والمعنوية للأشياء، وتحويلها إلى جحيم استهلاكي مُبهرج، رخيص. ما لا يقل عن ربع مساحة حديقة عامة، وعلى ندرة الحدائق العامة في مصر، قُطعت أشجارها، وجُرفت أعشابها، وأُزيلت نباتاتها، لبناء تلك المكعبات الجاهزة التي لا تنتهي من المقاهي ومطاعم الأكل السريع. أتساءل من سيرثي تلك الأشجار؟ هل يعلم من أزالوا الأشجار أنها في يوم ما احتضنت آلام وشجون مئات من سكان المدينة القاسية بلطف خافت لا يدركه ولن يشعر به إلا من سكن جانب الأشجار وأصغى بتمعن؟ استمعت الأشجار إلى مآسي وهواجسي الشخصية، وغيري كثيرون. لم تكن الأشجار مساحة خاصة فحسب، في مدينة تندر فيها الخصوصية، ولكن مساحة آمنة لخواطر طالما أرقتني وعذبتني. فزعت عندما رأيت الأشجار تقطع وتنقلع من جذورها. انخلع قلبي على البقايا الرقيقة المتبقية من مدينة لا ترحم وأنظمة سياسية لا ترأف، وأشد قسوة. كانت الأشجار رفيقات مراهقة وشباب حالم وبائس، اجتثهم نظام لا يرى فينا غير مذنبين، أو عبء لا نستحق الرحمة أو العدل. أتساءل كثيرًا ماذا يحدث لجذوع وجذور وأجساد تفنى وتجتث وتعذب وتتداعى وتتشنج ولا يراها أحد أو يتظاهر الكثيرون بأنها غير موجودة، أو أن وجودها مثل عدمه أو في الحالة الأكثر قسوة، أن انعدامها أفضل. ترددت كثيرًا في الذهاب مع مجموعة من الأصدقاء لتلك الحديقة بعد «تطويرها». لا أستطيع قبول ذلك الواقع الجديد ولا تلك العلاقة الجديدة مع محيطي المباشر من المدينة. تزدحم الحديقة الآن، تعج بالبشر الذين جاءوا ليحتسوا القهوة الرديئة والطعام السريع الأكثر رداءة. أصبح الاستهلاك، السريع، القاسي، الرخيص أحيانًا، والغالي جدًا أحيانًا أخرى، هو الشكل الأوحد للتواصل مع المدينة ومساحاتها. فالمدينة لم تعد لنا وفضاءاتها تحولت إلى سلسلة لا تنتهي من الكباري والطرق السريعة، تحفها على الجانبين المقاهي والحوانيت، في مزيج مرعب ومقبض من الأسود والرمادي والألوان الفاقعة والإضاءة المزعجة. تطرق الحديث لشخص ما، وبكل بساطة قال لي أحد الحاضرين: «أنت ماعرفتش، ده اتوفى». كان هذا ثالث شخص دون الثلاثين، أسمع عن خبر وفاته، في أقل من شهر. نتظاهر جميعًا بالصدمة ونتظاهر أننا لا نعرف سبب وفاته، مع أن الأرجح أن سبب الوفاة هو جرعة مفرطة من المواد المخدرة. على مدى العقد الماضي، ازداد عدد ضحايا تعاطي المخدرات من مجتمع الميم بشكل ملحوظ، حتى أنني لم أعد أذكر هذا الكم من حالات الوفيات لمن هم أصغر مني سنًا بسبب الإفراط في التعاطي. وهذا في محيطي الاجتماعي المباشر فحسب. بالطبع، لا يقتصر تعاطي المخدرات على مجتمع الميم، فقد رأينا كيف دمّر ولا يزال يدمّر مجتمعات من أقصى جنوب مصر إلى شمالها. ما يجعل وفيات مجتمع الميم تجربةً أكثر مرارة هو الصمت والتظاهر بالإنكار وافتعال الصدمة. إن تعاطي المواد المؤثرة على العقل، في صورته المعاصرة، وإن بدا وكأنه «تفضيل» فردي أو خلل نفسي، أو آلية سلبية للتكيف، إلا أنه ظاهرة اجتماعية، عابرة للطبقات، بامتياز. لا يمكن اعتباره انحرافًا فرديًا. بل إنه في أحدث تجلياته، هو امتداد لثقافة الحفلات الصاخبة، للطبقات المقتدرة ماديًا، أو ما أسميه «الحرية المكتسبة من الاحتفال». في ظهوره الأخير في مجتمع الميم، يتجلى، في الأغلب، كمظهر برجوازي عاجز، فارغ بقدر ما هو قاتل. أتذكر كيف كان كل حفل موسيقي أحضره وأصدقائي من منتصف الألفينات يحتوي على نوع من أنواع المخدرات الترفيهية. كانت هذه ما يطلق عليها «مخدرات اجتماعية» (مثل MDMA، وهو مخدر شهير لدرجة أن مادونا أطلقت اسمًا على أحد ألبوماتها في اختصار يستحضر اسم المخدر)، تُعزز تجربة الحفلات وتُحدث ما يُعرف طبيًا بالتأثير المُحفّز للتعاطف [1] (زيادة في التعاطف والشعور بالمتعة). وقد احتضن مجتمع الميم، المعروف بميله للإفراط، ثقافة المخدرات بحماس، بل وساهم في تطويرها بإضافة أنواع جديدة من المخدرات، كل منها أكثر إثارة للجدل من الأخرى (مثل GHB أو جاما هيدروكسي بيوتيريت، وهو عقار مثبط للجهاز العصبي المركزي، والكيتامين أو كيتالار، ومؤخرًا الميثامفيتامين، وهو مُنشّط). وكما هو متوقع من الإفراط، عادةً ما تُخلط هذه المخدرات معًا، مما يُؤدي إلى آثار غير مفهومة تمامًا، وفي كثير من الحالات يصعب علاجها في حالات الجرعة المفرطة أو الإدمان (باستثناء الميثامفيتامين، الذي دُرِسَ على نطاق واسع كمادة غير مشروعة). وبشكل عام، شهد مجتمع الميم في مصر خلال السنوات العشر الماضية توسعًا في تعاطي المخدرات، طال جميع الطبقات الاجتماعية، خاصة مع انخفاض تكلفة بعض أنواع هذه المخدرات وسهولة تصنيعها، مخلفةً آثارًا مدمرة على الجميع [2]. حتى الهروب من الواقع وآليات التأقلم السلبية تُعاقب، وتُستغل تجاريًا في ظل هذا النظام. هذا مع تراجع تاريخي في مخصصات الصحة العامة على مدار العقد الماضي، ليبقى السؤال أين تذهب مليارات الدولة إن لم يكن لصحة مواطنيها؟ ثمة صعوبة حقيقية في الكتابة عن مجموعة من الناس قضوا معظم حياتهم مختبئين، محاصرين، ومحاربين باستمرار من قبل المجتمع الأوسع، الذي دائمًا ما يسعى لوصمهم أو محو وجودهم بالكامل. كيف لي أن أحكم على مجموعة من الناس محاطين -بل غارقين- في هذا البؤس؟ لكن الأمر لا يقتصر على المخدرات فحسب، بل هناك أيضًا ارتفاع ملحوظ في عمليات النصب والترصد لمجتمع الميم، ليس من قبل الشرطة هذه المرة، بل من قبل أطراف مختلفة، من بينها مواطنون عاديون يستخدمون تطبيقات المواعدة لاستدراج أفراد مجتمع الميم، ثم الاعتداء عليهم جسديًا، وسرقة هواتفهم وممتلكاتهم، وابتزازهم. هذه الظاهرة ليست جديدة، فمنذ أن بدأت منظمات حقوق الإنسان توثيق هذه الحالات في أوائل الألفية، أصبحت سمة بارزة في حياة مجتمع الميم في مصر. لكن الجديد الآن هو أن هذه الظاهرة تحدث خارج القاهرة وبمعدل ينذر بالخطر[3]. بالطبع، لا يمكن فهم هذا بمعزل عن سياق المصاعب الاقتصادية القاسية التي عصفت بمصر منذ عام 2016، مع انخفاض قيمة العملة وإصرار النظام الحالي على سياسات اقتصادية عقابية تُنفق مليارات الدولارات على مشاريع جوفاء ليس لها أي مردود على حياة الملايين، بل أفقرت الأغلبية بشكلٍ لم يكن ليُتصور (ومن المؤشرات على ذلك ارتفاع معدل وفيات الرضع إلى أعلى مستوى له منذ 20 عامًا). لا يمكن تفسير الجريمة بمعزل عن الظروف المادية التي تُبرر وتكرس التجاوزات ضد أضعف الفئات وأكثرها تهميشًا. وينطبق الأمر نفسه على تصاعد خطابات الكراهية والجرائم المرتكبة ضد اللاجئين والمهاجرين. في هذا السياق، تستغل الدولة حالة الغضب والسخط، وتختلق خطاب المحافظة الاجتماعية ضد مجتمع الميم، والفاشية الوطنية ضد اللاجئين والوافدين، يُتخذ الغريب أو المنبوذ كبش فداء عندما لا يجد معظم الناس سبيلًا لمعالجة جذور بؤسهم. المنبوذ دائمًا مستباح. تصبح آليات التأقلم السلبية والمدمرة للذات هي رد فعل لا إرادي، في كثير من الأحيان. محاولة لزعزعة استقرار هذا النظام وثقله، طالما استمرت الحفلة وبدأ مفعول المخدرات. قد يجادل البعض بأن هذا ليس حكرًا على مجتمع الميم أو أي مجتمع مهمش، لكن ما يجعل مشهد الموت والتدمير الذاتي هذا مريرًا هو مدى لا مرئيته للعالم الخارجي. وجودنا، أمراضنا، إدماننا للمخدرات، كلها تُطوى في غياهب النسيان، تُتجاهل وتُكتم، ولا سبيل للحديث عنها، أو حتى التفكير في كيفية إنقاذ أي شخص حقًا. إن الموارد المتاحة لدينا، بطبيعة الحال، تقتصر على من يستطيعون تحمل تكاليفها (أقصد المرافق الطبية الخاصة التي تقدم خدمات إعادة التأهيل من الإدمان) والذين يعرفون عنها ويختارون اللجوء إليها. أما غالبية الناس، حتى من يملكون الإمكانيات، فإنهم يتحاشون مثل تلك التدخلات نتيجة الوصم الاجتماعي والخوف من النبذ والأحكام الأخلاقية. وكثيرون لا يدركون تمامًا الحاجة إلى هذه التدخلات الطبية، أو لا يعرفون أي مرفق أو مساعدة طبية يمكنهم اللجوء إليها وكيف. هذا فضلًا عن الأشخاص الذين دمرت المخدرات حياتهم، وهم بلا موارد ولا يعرفون كيفية طلب المساعدة. ليس غرضي من كتابة هذا النص هو كسب التعاطف أو الإشادة أو حتى جذب انتباه أفراد مجتمع الميم أنفسهم. على مستوى إنساني بحت تنتابني مشاعر متناقضة من هذا المجتمع، فكثيرًا ما أشعر بالغضب العارم جراء محاولات هذا المجتمع المستميتة لتدمير ذاته أو تبرير تدميرها وعقابها. يستبطن مجتمع الميم كل خيالات المجتمع البغيضة عنه، ويحتقر ذاته، ويرى أنها مريضة، منحرفة، خاطئة تستحق العذاب والعقاب بأبشع الصور. فكم سمعت من نقاشات مع مثليين من شتى الخلفيات الاجتماعية يبررون بشكل مرضي احتقار المجتمع لهم، ويكررون كل الصور النمطية عنهم بشكل مدهش. ظهرت مؤخرًا مجموعة خاصة على تطبيق التيليجرام، تعرف نفسها بسفراء الوعي الصحي والأمان النفسي والسلام الاجتماعي، وتدعي تقديم الدعم، فتقول لآلاف من المتابعين إن الحل السحري لكل «مشاكلهم» وما يتعرضون له (من عمليات السرقة والتصيد والابتزاز التي لا يمكن بأي شكل تبريرها سواء دينيًا أو أخلاقيًا) هو الرجوع إلى الدين وترك المثلية، وهو الأمر الذي يوافق المئات من المتابعين عليه: المثلية خطيئة وجريمة وأن ما يتعرضون له من سرقة وإيذاء جسدي ونفسي وملاحقة وابتزاز ُمبَرر تمامًا في هذا الإطار. أتساءل كثيرًا ما يمكن أن يصدر من تلك الذوات، التي يحتقرها وينبذها الجميع وتستبطن هي كل هذا الشر، في تصورها عن نفسها ومن تكون؟ كيف يمكننا أن يكون لدينا أي حس بالعالم حولنا أو بماهيتنا مع كل هذا الغل والكراهية؟ لا أستطيع أن أتخيل أي شيء سوى ذوات معطوبة، بائسة، مدفوعة بشكل يائس نحو هلاكها. هذا ليس إقرارًا بالحتمية الاجتماعية أو أن الإنسان عاجز عن مقاومة الظروف المادية والاجتماعية التي ينشأ فيها، ويواجهها بشكل يومي، ولكن هو اعتراف بأن القدرة على مواجهة كل تلك البنى المادية وغير المادية لا تتوافر لكثيرين، وحتى من يملكون المزايا المادية والطبقية (من تعليم واطلاع ووعي وعلاقات اجتماعية)، كالطبقات البورجوازية، فنادرًا ما تنتج هذه المزايا مواقف ناقدة أو حتى تقدمية فيما يخص تصوراتها عن ذاتها أو قيمتها كفرد. بل من الممكن القول إن ذنب الطبقة البورجوازية أقبح من الجميع لأنها الطبقة التي تملك من القدرة والمصادر لتغيير الوعي والخطاب في تكوين ذاتها، ولكن ترفض ذلك، وتتماهى مع هذا الاستهلاك من موقع قوة، وتبتذل خطابات ليبرالية سطحية حول الحرية أو المواد المخدرة دون أدنى وعي أو فهم حول معنى تلك الحرية أو غايتها. فبينما تتراكم الجثث وتختفي الأشجار من المدينة ونحن نحتسي القهوة الرديئة، ماذا تبقى لنحتفل به؟ أو عندما ينتهي الحفل ويسقط من يسقط من أثر جرعة مفرطة، من سيرثي تلك الأجساد؟ في الغالب يرفض أهل هؤلاء المجهولين التصريح بسبب الوفاة. بل يصر الأصدقاء والمعارف على التعتيم الكامل على سبب الوفاة، ويطلبون من جميع الأصدقاء عدم الحديث إطلاقًا عن «السر المعروف» لدى الجميع. هل يندرج ذلك تحت «اذكروا محاسن موتاكم» أم التواطؤ المستمر والتعامي عن مأساة مجموعة منبوذة؟ حاولت في الفترة الأخيرة التواصل مع إحدى المنظمات لعمل دليل إرشادي مبسط عن أنواع المخدرات المستخدمة ومدى خطورة كل مادة وماذا يجب عمله في حالة الإفراط، حتى يتمكن من يستخدمها من معرفة آثار ما يتعاطاه لعل ذلك يساعد أحدهم أو ينقذ حياة آخر. أتمنى أن يصدر هذا الدليل وأن يتم تداوله ما بين المجموعات الأكثر تأثرًا. أعود وأتذكر الأشجار التي اجتثت من أماكنها، هل يحزن أحد لخسارتها؟ وكيف يمكننا رثاء أجساد لا نراها؟ تسرح أفكاري أحيانًا وأتخيل اجتثاث كل هذه الكباري ونزع حارات كل تلك الطرق السريعة وتحويلها إلى مساحات لا متناهية من الأشجار. أتخيل نفسي أعود مرة أخرى إلى تلك الحديقة لأروي مرة أخرى مئات القصص عن ذوات قتلتهم فرط الرغبة واليأس وتواطؤ الجميع في لحظة طويلة من القسوة والعجز. *اسم مستعار هوامش [1] انظر تقسيم الطب النفسي لأنواع المخدرات حسب تأثيرها النفسي [2] يصعب تأكيد ذلك بالأرقام، لأن معدلات الإدمان، وفقًا للحكومة، آخذة في الانخفاض، فيما ارتفعت معدلات تعاطي المخدرات الاصطناعية. من الصعب الحصول على بيانات حول تعاطي المخدرات الترفيهي، لأن الإحصاءات الرسمية تركز عادةً على الإدمان ومن يحتاجون إلى رعاية أو مساعدة طبية. طبيعة المخدرات الترفيهية غير المشروعة والوصمة الاجتماعية المحيطة بها تعني أنها لا تُبلغ عنها بشكل كافٍ. ومع ذلك، حتى مع هذا النقص في الإبلاغ، تبلغ نسبة تعاطي المخدرات بين الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و30 عامًا 22%، أي ضعف المتوسط ​​العالمي. انظر المسح الذي تم بين طلاب الجامعات في ٢٠٢٢، في دورية منظمة الصحة العالمية [3] من الصعب جداً الحصول على أي إحصائيات موضوعية بالنظر إلى أن معظم من يتعرضون لهذا النوع من العنف أو السرقة لا يبلغون السلطات عن الحادث، وفي الحالات النادرة التي يتم فيها الإبلاغ، عادة ما يتم تسجيلها فقط على أنها سرقة مشددة أو اعتداء دون ربطها بسبب رهاب المثلية أو الدافع المعادي للمثليين الذي يؤطر الحادث بأكمله.The post في رثاء ذوات لا نراها first appeared on Mada Masr.