من أعجب ما تراه في بعض الناس قدرتهم على العثور على ما يعكر الأشياء الجميلة؛ يجلس أحدهم في مجلس تسوده الألفة، وتتبادل فيه الأحاديث الطيبة، وتعلو الضحكات، ثم يتدخل بملاحظة تبدو في ظاهرها عادية، فإذا بها تفتح باباً للجدل، أو تستدعي ذكرى مؤلمة، أو تصرف الحديث إلى قضية يعرف الجميع أنها موضع خلاف! وقد يمضي المجلس بعد ذلك في اتجاه آخر، بينما يشعر الحاضرون بأن شيئاً جميلاً كان بينهم قد ضاع، وأن صاحبنا أدى مهمته المعتادة بنجاح يستحق عليه شهادة في إفساد المناسبات!
والعجيب أن بعض هذه التصرفات تصدر عن أناس يتمتعون بقدر من الذكاء والخبرة، ويملكون من التجارب ما يعينهم على فهم طبائع الآخرين، ومع ذلك يعجزون عن إدراك الأثر الذي تتركه كلماتهم في النفوس! وربما كان أحدهم حاضراً في مناسبة سعيدة، فيستقبل أخبارها بملاحظات متتابعة، ويقابل عبارات التهنئة بتعليقات تحمل شيئاً من التشكيك، ويجد في تفاصيلها ما يستحق الاعتراض، حتى يبدو أن فرح الآخرين امتحانٌ عسير لقدرته على الاحتمال.
إن هذه الظاهرة تستحق تأملاً يتجاوز ضيقنا بأصحابها؛ لأنها تكشف جانباً من علاقتنا بمشاعر الناس، ومن تصوّرنا لمعنى الصراحة والنقد والحرص على المصلحة، فبعض الأشخاص يخلط بين امتلاك الرأي وضرورة إعلانه في كل مناسبة، ويظن أن ملاحظته تفقد قيمتها إذا احتفظ بها لنفسه، وأن حضوره الفكري يتأكد كلما استطاع اكتشاف نقصٍ غفل عنه الآخرون، وهكذا تتحول المناسبة السعيدة إلى فرصة لإثبات رجاحة النظر، ويصبح صاحب الرأي مشغولاً بما سيقوله أكثر من انشغاله بما يشعر به الجالسون حوله.
وللأمر صلة كذلك بطبيعة النفس البشرية؛ فثمة مَن يجد مشقّةً في استقبال نجاح الآخرين بارتياح، وتتحرّك في داخله مقارنات قديمة، أو مشاعر منافسة، أو إحساس بأن الإشادة بغيره تنتقص شيئاً من مكانته، وعندئذٍ تظهر هذه المشاعر في صورة ملاحظات تبدو موضوعية، وقد تأتي في هيئة نصيحة أو تعليق ساخر، ومن الطريف أن صاحبها قد يستغرب انزعاج الآخرين، ويستشهد بحسن نيته، ويؤكد أنه أراد التنبيه إلى أمر مهم، وكأن النيات الحسنة تمنح الكلمات حصانة من آثارها!
لقد أسهمت وسائل التواصل في توسيع هذه النزعة؛ فالمناسبات السعيدة والإنجازات الشخصية والأخبار المفرحة أصبحت تُعرض أمام جمهور واسع، ومع كل خبر يظهر مَن يجد فرصةً للاعتراض أو التقليل أو استحضار جانب سلبي، ويبدو أن بعض الناس قد اعتادوا استقبال الأخبار الجميلة بعينٍ تبحث عن الثغرات، حتى أصبح الثناء عندهم يحتاج إلى تبرير، بينما يأتي الاعتراض سريعاً ومطمئناً إلى نفسه.
والحق أن القدرة على مشاركة الآخرين أفراحهم تمثّل جانباً مهمًا من النضج الإنساني؛ فهي تحتاج إلى تجاوز الذات، وإلى إدراك أن للناس حقاً في الاستمتاع بلحظاتهم الجميلة، وأن لكل مقام حديثاً يليق به، وقد تكون الملاحظة صحيحة، ويكون الاعتراض وجيهاً، وتكون النصيحة نافعة، ثم يفسد أثرها بسبب اختيار الوقت والطريقة، ومن الحكمة أن يعرف الإنسان متى يتحدث، ومتى يؤجل حديثه، ومتى تكون الكلمة الطيبة أجدى من ملاحظة يحرص على تسجيلها.
ولعلنا نحتاج إلى مراجعة بعض مفاهيمنا عن الصراحة؛ فقد أصبح هذا الوصف عند بعض الناس مبرراً لخشونة العبارة، وإهمال مشاعر الآخرين، والتدخّل في تفاصيل حياتهم، الصراحة قيمة أخلاقية يكتمل جمالها بحسن التقدير، وبالقدرة على اختيار العبارة المناسبة والمقام المناسب، أما تحويلها إلى رخصة مفتوحة لإزعاج الناس، فيكشف عن قصور في فهمها وممارستها.
وفي المقابل فإن التعامل مع هذه الشخصيات يحتاج إلى قدر من الحكمة؛ فالدخول في جدال مع كل ملاحظة قد يمنحها من الاهتمام أكثر مما تستحق، ويحول المناسبة كلها إلى نقاش حول رأي شخص واحد، وأحياناً يكون تجاوز التعليق، أو تغيير مسار الحديث، أو تنبيه صاحبه على انفراد، أكثر قدرة على حماية العلاقات والمحافظة على بهجة اللقاء.
وتبقى المسألة متصلة بثقافة الذوق الإنساني؛ فالإنسان المهذب يعرف أن للفرح حرمته، وأن المشاعر الجميلة تستحق الرعاية، وأن الكلمة قد تصنع في لحظة ما تعجز أيام عن إصلاحه، وقد ننسى كثيراً مما قيل في مناسباتنا، وتبقى في الذاكرة عبارةٌ أفسدت علينا فرحة، أو تعليقٌ انتزع من وجوهنا ابتسامة كنا أحوج ما نكون إليها.
وأحسب أن مِن أجمل ما يقدّمه الإنسان لمن حوله أن يدع لهم أفراحهم كاملة؛ فالحياة تتكفّل بنصيبها من المنغصات، ويكفيها ما يأتي منها دون أن نتطوّع نحن بإفساد ما تبقى من جمالها.
من أعجب ما تراه في بعض الناس قدرتهم على العثور على ما يعكر الأشياء الجميلة؛ يجلس أحدهم في مجلس تسوده الألفة، وتتبادل فيه الأحاديث الطيبة، وتعلو الضحكات، ثم يتدخل بملاحظة تبدو في ظاهرها عادية، فإذا بها تفتح باباً للجدل، أو تستدعي ذكرى مؤلمة، أو تصرف الحديث إلى قضية يعرف الجميع أنها موضع خلاف! وقد يمضي المجلس بعد ذلك في اتجاه آخر، بينما يشعر الحاضرون بأن شيئاً جميلاً كان بينهم قد ضاع، وأن صاحبنا أدى مهمته المعتادة بنجاح يستحق عليه شهادة في إفساد المناسبات!
والعجيب أن بعض هذه التصرفات تصدر عن أناس يتمتعون بقدر من الذكاء والخبرة، ويملكون من التجارب ما يعينهم على فهم طبائع الآخرين، ومع ذلك يعجزون عن إدراك الأثر الذي تتركه كلماتهم في النفوس! وربما كان أحدهم حاضراً في مناسبة سعيدة، فيستقبل أخبارها بملاحظات متتابعة، ويقابل عبارات التهنئة بتعليقات تحمل شيئاً من التشكيك، ويجد في تفاصيلها ما يستحق الاعتراض، حتى يبدو أن فرح الآخرين امتحانٌ عسير لقدرته على الاحتمال.
إن هذه الظاهرة تستحق تأملاً يتجاوز ضيقنا بأصحابها؛ لأنها تكشف جانباً من علاقتنا بمشاعر الناس، ومن تصوّرنا لمعنى الصراحة والنقد والحرص على المصلحة، فبعض الأشخاص يخلط بين امتلاك الرأي وضرورة إعلانه في كل مناسبة، ويظن أن ملاحظته تفقد قيمتها إذا احتفظ بها لنفسه، وأن حضوره الفكري يتأكد كلما استطاع اكتشاف نقصٍ غفل عنه الآخرون، وهكذا تتحول المناسبة السعيدة إلى فرصة لإثبات رجاحة النظر، ويصبح صاحب الرأي مشغولاً بما سيقوله أكثر من انشغاله بما يشعر به الجالسون حوله.
وللأمر صلة كذلك بطبيعة النفس البشرية؛ فثمة مَن يجد مشقّةً في استقبال نجاح الآخرين بارتياح، وتتحرّك في داخله مقارنات قديمة، أو مشاعر منافسة، أو إحساس بأن الإشادة بغيره تنتقص شيئاً من مكانته، وعندئذٍ تظهر هذه المشاعر في صورة ملاحظات تبدو موضوعية، وقد تأتي في هيئة نصيحة أو تعليق ساخر، ومن الطريف أن صاحبها قد يستغرب انزعاج الآخرين، ويستشهد بحسن نيته، ويؤكد أنه أراد التنبيه إلى أمر مهم، وكأن النيات الحسنة تمنح الكلمات حصانة من آثارها!
لقد أسهمت وسائل التواصل في توسيع هذه النزعة؛ فالمناسبات السعيدة والإنجازات الشخصية والأخبار المفرحة أصبحت تُعرض أمام جمهور واسع، ومع كل خبر يظهر مَن يجد فرصةً للاعتراض أو التقليل أو استحضار جانب سلبي، ويبدو أن بعض الناس قد اعتادوا استقبال الأخبار الجميلة بعينٍ تبحث عن الثغرات، حتى أصبح الثناء عندهم يحتاج إلى تبرير، بينما يأتي الاعتراض سريعاً ومطمئناً إلى نفسه.